Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

احتجاجات ومسيرات في عيد العمال.. نقابات تندد والحكومة تعد

كتبته / أمال أغزافي

 

في كل فاتح ماي، يعود صوت الشغيلة المغربية إلى الواجهة، محمّلاً بمطالب متجددة وأحلام مؤجلة، ومشدوداً إلى ذاكرة نضالية صنعتها عقود من الكفاح العمالي. هو يوم لا يكتفي بالاحتفال، بل يُترجم إلى محطة للمحاسبة والاحتجاج، حيث تتحول الساحات إلى منابر تعبّر فيها الطبقة العاملة عن معاناتها وتُجدد تشبثها بحقوقها في ظل واقع اقتصادي واجتماعي يزداد تعقيداً.

أحيت الطبقة العاملة المغربية، يوم الخميس فاتح ماي 2025، عيدها الأممي في سياق يتسم باحتقان متزايد بين المركزيات النقابية والحكومة، بسبب ما تصفه النقابات بـ”التضييق” على الحريات النقابية، و”الإجهاز” على الحقوق المكتسبة، إضافة إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطنين واستمرار الهشاشة الاجتماعية.

ويُمثل فاتح ماي مناسبة نضالية ورمزية تُجدد من خلالها النقابات مطالبها الاجتماعية والاقتصادية، وتُذكّر بتاريخ نضال العمال من أجل تحسين أوضاعهم. وكما دأبت العادة، خرجت المسيرات العمالية في مختلف مدن المملكة، رافعة شعارات تطالب بتحسين الأجور، وحماية الحقوق النقابية، وضمان حرية التنظيم، وإصلاح أنظمة التقاعد، والحماية الاجتماعية، فضلاً عن تحسين ظروف العمل ومواجهة البطالة، خاصة في صفوف الشباب.

وشهدت الاحتفالات حضوراً بارزاً للزعامات النقابية والسياسية، لاسيما المعارضة منها، التي استغلت هذه المناسبة لتوجيه انتقادات حادة للسياسات الحكومية، وتقديم حصيلة العمل النقابي للسنة المنصرمة.

وفي سياق الاحتقان القائم، واصلت النقابات انتقاداتها لما تعتبره تقييداً للعمل النقابي، على خلفية المصادقة على قانون الإضراب الذي تصفه بـ”التكبيلي”، مشيرة إلى أنه تم تمريره دون توافق وفي غياب الحوار الاجتماعي، مستنداً إلى الأغلبية البرلمانية للحكومة.

كما عبّرت النقابات، مدعومة بأحزاب المعارضة، عن قلقها إزاء ما وصفته بـ”تفقير المواطنين”، نتيجة الارتفاع المتواصل في الأسعار، وارتفاع التضخم، وتلاشي أثر الزيادات العامة الهزيلة، واستمرار رفع الدعم عن المواد الأساسية، إلى جانب تفشي الفساد والتهرب الضريبي وتضارب المصالح.

ولم تغب عن مطالب النقابات إدانة ما تعتبره تفويتاً ممنهجاً للخدمات العمومية للقطاع الخاص، في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والماء والكهرباء، إلى جانب التنديد بتسريح العمال ومنع تأسيس بعض المكاتب النقابية، واستمرار توقيف وإعفاء مناضلين نقابيين، وتفاقم معاناة المرأة العاملة في المعامل والحقول.

في مقابل هذه الانتقادات، أعلنت الحكومة يوم الأربعاء 30 أبريل 2025، عن صرف الدفعة الثانية من الزيادة العامة في الأجور بقيمة 500 درهم، ابتداءً من يوليوز المقبل، مؤكدة مواصلة تنفيذ التزاماتها الاجتماعية المندرجة ضمن اتفاقي أبريل 2022 و2024، وعلى رأسها توسيع الحماية الاجتماعية لفئات واسعة من الأجراء والمتقاعدين.

ووفق بلاغ صادر عن الحكومة عقب اجتماعها مع النقابات الأكثر تمثيلية والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية، فإن هذه الزيادة تأتي بعد صرف الدفعة الأولى من الزيادة العامة (1000 درهم على مرحلتين) في يوليوز 2024.

أما في القطاع الخاص، فقد تم إقرار زيادات جديدة في الحد الأدنى للأجور بنسبة 5%، تدخل حيز التنفيذ في يناير وأبريل 2026، في أفق توحيد الحد الأدنى القانوني للأجور بين القطاعات بحلول 2028.

وأوضحت الحكومة أن الدفعة الأولى من الزيادات، التي تم صرفها في يوليوز 2024، شملت الموظفين بالإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية غير المستفيدين من مراجعة الأجور، بكلفة إجمالية بلغت 45,7 مليار درهم إلى غاية 2026.

وشملت الإجراءات الحكومية زيادات مهمة في قطاعات التعليم والصحة والتعليم العالي، إذ خصصت لها ميزانيات بلغت 17 مليار درهم، و2 مليار درهم، و3,5 مليار درهم على التوالي. وتهدف هذه التدابير، بحسب ذات البلاغ، إلى رفع متوسط الأجر الشهري الصافي في القطاع العام إلى 10.100 درهم بحلول 2026، بعدما كان في حدود 8.237 درهم سنة 2021، ورفع الحد الأدنى الصافي من 3.000 درهم إلى 4.500 درهم.

وفي ما يتعلق بالقطاع الخاص، فقد تم رفع الحد الأدنى للأجر في الأنشطة غير الفلاحية (SMIG) بنسبة 15% ليبلغ 3.046,77 درهم، بزيادة شهرية قدرها 408,72 درهم، وفي القطاع الفلاحي (SMAG) بنسبة 20% ليصل إلى 2.255,27 درهم، بزيادة قدرها 395,48 درهم شهرياً.

ورغم هذه الإجراءات، لا تزال الشغيلة المغربية تواجه تحديات بنيوية، تتجلى في ارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 13%، واتساع رقعة العمل غير المهيكل، وتعثر تفعيل العديد من الحقوق العمالية، في ظل الضغوط الاقتصادية لما بعد جائحة كورونا وغلاء المعيشة المتزايد.

وفي نهاية المطاف، تبقى الشغيلة المغربية، رغم كل التحديات، متمسكة بأمل بسيط وعادل: أن يُسمع صوتها، ويُحترم نضالها، وتُصان كرامتها كمواطن قبل أن تكون عاملاً. هي تطمح لعيش كريم يضمن لها حقها في وطن يتسع للجميع، لا تُقصى فيه المطالب، ولا تُقمع فيه الأصوات، بل يُحتفى بها كجزء من البناء الديمقراطي والاجتماعي المنشود.


شاهد أيضا

شاهد أيضا