مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
“الملك لا يتم إلا بالعمران.”
— ابن خلدون
لم يكن ابن خلدون يتحدث عن المباني أو اتساع المدن، وإنما عن عمران الإنسان والدولة معا، وعن العلاقة العضوية بين الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والرضا الاجتماعي. وبعد أكثر من ستة قرون، تبدو هذه الحكمة أكثر حضورا ونحن نتابع مشاهد آلاف الشباب المغاربة الذين اختاروا البحر طريقا نحو سبتة المحتلة، في مشهد يتجاوز كونه واقعة هجرة غير نظامية، ليصبح سؤالا سياسيا واجتماعيا ودبلوماسيا بامتياز.
ليست الصور القادمة من شواطئ الفنيدق، ولا مشاهد العائلات التي حملت أطفالها نحو المجهول، مجرد خبر عابر في أجندة الهجرة، ولا حادثا أمنيا يمكن احتواؤه بتعزيز الدوريات أو تشديد المراقبة الحدودية. إنها لحظة تستحق أن تقرأ بعين الدولة، لا بعين الحدث.
فحين يتحول البحر إلى وجهة جماعية، وتصبح المخاطرة بالحياة أقل قسوة من الإحساس بانسداد الأفق، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن عبر، وإنما بما الذي دفعه إلى العبور.
لقد اعتاد المغرب، خلال العقدين الأخيرين، أن يقدم نفسه شريكا أساسيا في تدبير الهجرة مع الاتحاد الأوروبي، وأن يراكم اعترافا دوليا بنجاعة مقاربته الأمنية والإنسانية. كما استثمر إمكانات بشرية ولوجستيكية ومالية كبيرة لحماية حدوده وحدود أوروبا الجنوبية، حتى غدا أحد أهم الفاعلين في استقرار الضفة الغربية للمتوسط.
غير أن ما وقع في سبتة يعيد طرح سؤال مؤجل: هل يمكن لدولة أن تستمر في لعب دور الحارس الإقليمي، بينما يزداد عدد مواطنيها الراغبين في مغادرتها؟
إنها مفارقة لا تمس صورة المغرب فحسب، بل تمس أيضا طبيعة الشراكة التي تربطه بإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
ولعل الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو يلخص جوهر هذه الإشكالية عندما يقول:
“حب الوطن هو حب القوانين والنظام الذي يكفل الحرية.”
فانتماء المواطن لا يبنى بالشعارات، بل بالإحساس بأن الوطن فضاء للكرامة والفرص والعدالة.
لقد تجاوزت العلاقات المغربية الإسبانية، منذ أزمة سنة 2021، واحدة من أصعب محطاتها الدبلوماسية. وجاء الاعتراف الإسباني بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية ليؤسس لمرحلة جديدة من الثقة، توسعت لتشمل الأمن والطاقة والاستثمار والهجرة.
لكن السياسة الخارجية، مهما بلغت درجة نجاحها، لا تستطيع وحدها معالجة الأسئلة الاجتماعية الداخلية.
لقد نجحت الدبلوماسية المغربية في تعزيز موقع المملكة داخل محيطها الإقليمي، وترسيخ شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من القوى الدولية، كما استطاعت أن تجعل قضية الصحراء المغربية تحظى بدعم غير مسبوق من شركاء دوليين.
غير أن السياسة الخارجية تكتسب قوتها الحقيقية عندما يشعر المواطن بأن مكانة بلاده الدولية تنعكس على جودة حياته اليومية.
فالمواطن لا يقيس قوة الدولة بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرته على بناء مشروع حياة داخل وطنه.
ومن هذه الزاوية، فإن الهجرة الجماعية ليست مجرد حركة بشرية، بل رسالة سياسية واجتماعية.
رسالة إلى الداخل، مفادها أن جزءا من الشباب لم يعد يجد في السياسات العمومية ما يكفي لإقناعه بأن المستقبل يمكن أن يبنى داخل المغرب. ورسالة إلى الخارج، وخاصة إلى الاتحاد الأوروبي، بأن معالجة الهجرة لا يمكن أن تختزل في حماية الحدود.
لقد أثبتت كل التجارب أن تشديد المراقبة لا يوقف الهجرة، وإنما يغير مساراتها. أما الأمل، فلا تصنعه الأسلاك الشائكة.
لقد اعتاد الاتحاد الأوروبي النظر إلى المغرب باعتباره شريكا أساسيا في حماية حدوده الجنوبية، وهو دور اضطلعت به المملكة بكفاءة ومسؤولية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى اختزال للمغرب في وظيفة “حارس البوابة الجنوبية لأوروبا”.
فالمغرب ليس مجرد حاجز جغرافي أمام تدفقات الهجرة، بل دولة ذات مشروع استراتيجي، وشريك إقليمي يطمح إلى نقل التكنولوجيا، وجذب الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتعزيز التنمية.
ومن هنا، فإن العلاقة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي تحتاج إلى الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق صناعة الفرص.
أما الولايات المتحدة، التي تنظر إلى المغرب باعتباره حليفا استراتيجيا في شمال إفريقيا، فإن دعم استقرار المملكة لا ينبغي أن يقتصر على التعاون الأمني والعسكري، بل يجب أن يمتد إلى الاستثمار المنتج، والاقتصاد الأخضر، والابتكار، والتكوين، لأن التنمية المستدامة هي الضامن الحقيقي للاستقرار.
ويقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي:
“الحضارات لا تنهار بسبب ما تتعرض له من تحديات، وإنما بسبب الطريقة التي تستجيب بها لهذه التحديات.”
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الدولة المغربية اليوم.
ومن اللافت أيضا أن الرأي العام المغربي تابع تفاصيل هذه الأزمة أساسا عبر وسائل الإعلام الإسبانية، بينما ظل التواصل المؤسساتي المغربي محدودا.
وفي عصر الاتصال الفوري، لم يعد الصمت الإعلامي سياسة ناجحة.
فحين تغيب الرواية الوطنية، تملأها روايات الآخرين.
وقد نبهت الفيلسوفة حنة آرندت إلى خطورة هذا الأمر عندما اعتبرت أن:
“غياب الحقيقة من المجال العام يفتح الطريق أمام صناعة الوهم.”
ولذلك، فإن إدارة الأزمات أصبحت تبدأ بالتواصل قبل أن تنتهي بالإجراءات الميدانية.
ولا ينبغي أن يفهم هذا النقد على أنه تقليل من الجهود الكبيرة التي تبذلها الأجهزة الأمنية المغربية في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، بل هو دعوة إلى استكمال المقاربة الأمنية بمقاربة تنموية واجتماعية وتواصلية أكثر شمولا.
فالحدود تحمى بالقانون، لكن الأوطان تحمى أيضا بالثقة.
إن البحر الذي حمل آلاف المغاربة نحو سبتة لم يكن مجرد مساحة مائية تفصل بين ضفتين، بل تحول إلى مرآة تعكس أسئلة عميقة حول التنمية، والعدالة الاجتماعية، وفرص الشباب، والتواصل المؤسساتي، ومستقبل العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
ولعل المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل كان محقا عندما وصف البحر الأبيض المتوسط بأنه “فضاء للتبادل أكثر منه خطا للفصل.”
غير أن هذا الفضاء يفقد معناه عندما يصبح معبرا لليأس بدل أن يكون جسرا للتنمية.
ويبقى الدرس الأهم أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، ولا بعدد شركائها الدوليين، ولا بحجم الاعتراف الذي تحققه في المحافل الدولية، وإنما بقدرتها على جعل مواطنيها يؤمنون بأن أفضل أحلامهم يمكن أن تتحقق داخل وطنهم.
فحين يصبح البحر استفتاء صامتا، لا يكون المطلوب فقط إحصاء العابرين، بل الإصغاء إلى الأسئلة التي حملتهم إلى الشاطئ.
