مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لطالما ارتبط النقاش حول التشغيل في المغرب بموضوع البطالة ونقص فرص الشغل، لكن التحولات التي يعرفها سوق الشغل تفرض اليوم قراءة أكثر عمقا للإشكال. فالأزمة لا تتعلق فقط بعدد فرص الشغل المتوفرة، بل أيضا بطبيعة هذه الفرص ومدى قدرتها على جذب العمال والحفاظ عليهم.
فرغم وجود أعداد مهمة من الباحثين عن العمل، نجد في المقابل قطاعات ومقاولات تواجه صعوبات في استقطاب اليد العاملة أو الاحتفاظ بها. وهذا التناقض يكشف أن الإشكال لا يرتبط فقط بوجود أو غياب فرص الشغل، وإنما أيضا بظروف العمل التي أصبحت عاملا أساسيا في قرار الكثيرين بالالتحاق بمهنة معينة أو الاستمرار فيها.
فالعامل اليوم لا يبحث فقط عن شغل كيفما كان، بل يبحث عن عمل يوفر له الحد الأدنى من الاستقرار والأمان المهني. فمع ارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت الأجور، وساعات العمل، وظروف الاشتغال، وآفاق التطور المهني، كلها عناصر مؤثرة في جاذبية أي مهنة.
إن بعض القطاعات تعتمد على مهن تتطلب مجهودا كبيرا وتضحيات يومية، لكنها لا توفر دائما شروطا تجعل العامل يشعر بأن استمراره فيها يحقق له استقرارا اجتماعيا ومهنيا. وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدل تغيير العمال لمناصبهم، ويجعل المقاولات في حاجة مستمرة إلى البحث عن موارد بشرية جديدة.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال المشكل في مسؤولية المشغلين فقط، لأن سوق الشغل يعرف أيضا تحديات مرتبطة بالتكوين وملاءمة المهارات مع حاجيات الاقتصاد. فبعض القطاعات تحتاج إلى كفاءات مؤهلة، بينما يجد عدد من الشباب صعوبة في الولوج إلى مهن تتناسب مع تكوينهم أو تطلعاتهم.
لهذا فإن معالجة أزمة التشغيل تحتاج إلى مقاربة شاملة تتجاوز منطق البحث عن أرقام جديدة للمناصب فقط. فخلق فرص العمل يظل ضروريا، لكن الأهم هو خلق فرص عمل ذات جودة، تجمع بين حاجيات المقاولة وحقوق العامل، وبين الإنتاجية والاستقرار.
كما أن تحسين ظروف العمل لا ينبغي اعتباره عبئا على الاقتصاد، بل استثمارا في استدامته. فالعامل الذي يشتغل في ظروف مناسبة ويحظى بتحفيز عادل يكون أكثر إنتاجية وأكثر ارتباطا بمؤسسته، وهو ما ينعكس إيجابا على أداء المقاولات والاقتصاد بشكل عام.
إن التحدي الحقيقي أمام سوق الشغل اليوم ليس فقط تقليص عدد الباحثين عن العمل، بل بناء نموذج يجعل العمل نفسه أكثر جاذبية واستقرارا. فالهدف من التشغيل لا ينبغي أن يكون مجرد إدماج الأشخاص في أي منصب، وإنما تمكينهم من عمل يضمن لهم العيش الكريم ويسمح لهم ببناء مستقبل أكثر استقرارا.
