Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

تسرب إشعاعي مزعوم بالمعمورة .. بلاغ رسمي في مواجهة التضليل الرقمي ومحاولات ترويع المغاربة

الرباط / آخر خبر

في واقعة تعيد إلى الواجهة خطورة الأخبار الزائفة حين تتحول إلى أداة لبث الخوف والبلبلة، خرج المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية (CNESTEN)، يوم الاثنين 28 شتنبر 2026، ببلاغ تكذيبي واضح، ردا على منشور متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي يزعم تسجيل تسرب إشعاعي بالمفاعل النووي بمركز الدراسات النووية بالمعمورة.

وأكد المركز، بشكل صريح، عدم تسجيل أي حادث أو تسرب إشعاعي بمنشآته، مشددا على أن مرافقه تشتغل بصورة عادية وآمنة، وفق القوانين والضوابط التنظيمية الوطنية ومعايير الأمن والسلامة المعتمدة دوليا.

ويأتي هذا التوضيح الرسمي ليضع حدا، من الناحية المؤسساتية، لادعاء خطير جرى تداوله خارج القنوات المهنية، مستهدفا موضوعا بالغ الحساسية يرتبط بسلامة المواطنين والبيئة، ويستدعي التعامل معه بأقصى درجات المسؤولية والدقة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لصفحة على مواقع التواصل أن تروج ادعاء بهذه الخطورة، من دون تقديم أدلة تقنية واضحة أو نتائج قياسات إشعاعية أو وثائق صادرة عن جهة مختصة، ثم تترك المواطنين تحت وطأة الخوف والشك؟

إن الأمر لا يتعلق بخبر عابر أو معلومة هامشية قابلة للتصحيح لاحقا؛ فنحن أمام ادعاء بوقوع حادث إشعاعي، وهو ادعاء يمكن أن يثير الهلع، ويضرب الثقة في المؤسسات، ويخلق انطباعات خطيرة لدى الرأي العام، خصوصا عندما يقدم في صيغة توحي بوجود خطر حقيقي ومباشر.

وفي مثل هذه الحالات، لا تكفي حرية النشر لتبرير نشر أي ادعاء، كما لا يمكن الاحتماء بشعار حرية التعبير لتسويغ ترويج معلومات غير مثبتة تمس سلامة المواطنين وأمنهم النفسي. فحرية التعبير مسؤولية، والنشر الذي يتناول قضايا السلامة العامة يقتضي التحقق والاستناد إلى مصادر موثوقة، لا الاستسلام لمنطق الإثارة وجمع التفاعلات على حساب الحقيقة.

والأخطر أن توقيت مثل هذه المنشورات ومضمونها يفتحان الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن خلفياتها والغاية من نشرها: هل نحن أمام مجرد تهور في تداول المعلومات، أم أمام تضليل متعمد يرمي إلى إرباك الرأي العام واستثمار حساسية الملف النووي والإشعاعي لإثارة البلبلة؟

لا يمكن الجزم بوجود مخطط أو جهة تقف وراء هذه الادعاءات من دون أدلة مستقلة، لكن ذلك لا يمنع المطالبة بكشف مصدرها والتحقق من ملابسات نشرها، خاصة إذا أظهرت الأبحاث وجود تعمد في اختلاق الوقائع أو تضليل المواطنين، وارتباط الجهة الناشرة بأطراف أو تيارات معادية للمصالح الوطنية، بما فيها الجهات الداعمة لأطروحة الانفصال التي يتبناها البوليساريو، ينبغي أن تخضع للتحقق والتدقيق قبل إدراجها في أي استنتاج صحفي. فخطورة الادعاء لا تمنحنا الحق في إطلاق اتهامات غير مثبتة، بل تفرض علينا تشديد البحث عن الأدلة وتحديد المسؤوليات.

وفي المقابل، فإن التصدي للتضليل لا ينبغي أن يقتصر على إصدار بيانات النفي؛ بل يستدعي أيضا تعزيز التواصل المؤسساتي، وتوضيح المعطيات التقنية للرأي العام، وإحالة ما يستوجب البحث على الجهات المختصة، حتى لا تتحول المنصات الرقمية إلى فضاء مفتوح لصناعة الأزمات الوهمية.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى أن الوكالة المغربية للأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي (AMSSNuR) تضطلع بمهام التنظيم والمراقبة في هذا المجال، بما يشمل التحقق من امتثال المنشآت النووية والإشعاعية للمتطلبات القانونية والتنظيمية للسلامة. وهو ما يجعل الرجوع إلى الجهات المختصة، بدل الصفحات مجهولة المعطيات والمصادر، أمرا أساسيا عند التعامل مع ادعاءات من هذا النوع.

إن المغرب، وهو يطور قدراته العلمية والتقنية في المجالات النووية ذات الاستخدامات السلمية، ليس في حاجة إلى أخبار مفبركة أو ادعاءات غير موثقة لتقييم سلامة منشآته؛ بل يحتاج إلى إعلام مهني يميز بين التحذير المبني على الأدلة والتخويف القائم على الإشاعة، وبين النقد المشروع ومحاولات تضليل الرأي العام.

فالخلاف السياسي لا يبرر ترويع المواطنين، والخصومة مع الدولة لا تمنح أحدا الحق في اختلاق الأخطار، كما أن الانتماءات أو المواقف السياسية، أيا

كانت، لا تعفي أصحاب الصفحات من مسؤولية ما ينشرونه.

والرسالة الأوضح في هذه القضية أن الحقيقة لا تقاس بعدد المشاركات والتعليقات، ولا بقدرة منشور على إثارة الذعر، وإنما بمدى استناده إلى الوقائع والأدلة.

أما إذا أثبت التحقيق أن الأمر يتعلق بتضليل متعمد، فإن تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة يصبحان مسألة تستحق المتابعة الجدية.

في قضايا السلامة النووية، لا مكان للمزايدة ولا للتضليل. الحقيقة أولا، وسلامة المواطنين فوق كل اعتبار.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...