مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
تصريح البرلمانية “عزيزة بوجريدة” الذي طالبت فيه وزير الداخلية بتقنين مقاهي ومطاعم الشيشة في مدينة مراكش، يعكس نوعًا من التصعيد في النقاشات السياسية والاجتماعية التي تتناول القيم الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي في مواجهة التغيرات الحديثة. لكن ما يثير القلق في هذه الدعوة هو أن النداء لا يراعي تعقيدات المجتمع المغربي ولا يتيح مساحة للحرية الشخصية أو للفرص الاقتصادية التي يمكن أن تتيحها هذه الأنشطة التجارية، خصوصًا في مدينة كالمراكش التي تعد من أبرز الوجهات السياحية التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
تاريخيًا، حزب الحركة الشعبية كان يسعى لتمثيل قضايا المواطنين البسطاء، وكان يؤمن دائمًا بالحفاظ على الهوية الوطنية المرتكزة على الثوابت المغربية، وهي مزيج من التأصيل الأمازيغي والعربي الإسلامي. ورغم أن هذه الثوابت تشكل إطارًا مهمًا في بناء الهوية، إلا أن ثمة ضرورة كبيرة لمراجعة طريقة تطبيق هذه المبادئ في العصر الحديث، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمشاركة الشعبية وحقوق الأفراد في التعبير عن أنفسهم ضمن حدود الاحترام المتبادل.
موقف “بوجريدة” في الحقيقة يمكن أن يُفهم في سياق الرغبة في التصدي لما يعتبره البعض سلوكيات قد تضر بالقيم الاجتماعية والقدوة المجتمعية. في ظل ما يواجهه المجتمع من تحديات كبيرة كالتغيرات الثقافية والسلوكية الناجمة عن العولمة، يصبح من الضروري على الدولة وضع أطر قانونية وتنظيمية تلائم العصر دون التضحية بحرية الأفراد. وفي هذا السياق، لا يجب أن يكون التدخل الحكومي في شكل منع أو تقييد كامل للأنشطة التجارية التي تحظى بشعبية كبيرة بين فئات معينة من المجتمع.
إلا أن القضية الأكثر تعقيدًا التي تطرحها هذه التصريحات هي غياب الحوار المجتمعي الواسع في اتخاذ مثل هذه القرارات. في المجتمعات الديمقراطية، يُتوقع أن تكون مثل هذه الإجراءات نتيجة لتوافق عام بين مختلف مكونات المجتمع، بما في ذلك مؤسسات الدولة، الجمعيات المدنية، وأيضا المواطنين أنفسهم. كما أن تطبيق فكرة “الحفاظ على الهوية” يجب أن يكون بعيدًا عن مفاهيم فرض الرقابة أو التشدد، بل ينبغي أن يرتكز على تطوير سياسات تضمن الحفاظ على القيم الأصيلة في مواجهة تحديات العصر.
على الرغم من كون الدعوة لتقتين هذه الأنشطة تأتي في إطار الدفاع عن القيم، فإنها تعكس، في جانب آخر، أزمة حقيقية في فهم التعددية الثقافية في المجتمع المغربي. المغرب هو بلد تتعايش فيه العديد من الثقافات، وكل مكون ثقافي له خصوصيته وهويته. وفي ظل هذا التعدد، يجب أن نتجنب أي محاولات للتقوقع أو فرض صورة نمطية واحدة للهوية الوطنية، بل ينبغي أن يكون هذا التنوع جزءًا من القوة التي يعتز بها المغرب في مواجهة التحديات الحديثة.
ومن هنا، يمكن القول إن التصعيد الذي تحدثت عنه “بوجريدة” يعكس واقعًا اجتماعيًا وثقافيًا معقدًا، لكن يجب أن يكون هناك وعي بأهمية التوازن بين حماية الهوية الوطنية من جهة، وضمان حرية الأفراد في ممارسة خياراتهم الحياتية من جهة أخرى. وفي النهاية، التحدي الأكبر يكمن في إيجاد الحلول التي تستوعب الجميع دون التفريط في القيم الأساسية للمجتمع المغربي، وهي قيم العيش المشترك في إطار الاحترام المتبادل.
كتبته/ ميمونة داهي
