Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

برحيل جواد غريب هل انتهى زمن “عراب الغرب” السياسي أم بدأ امتحان المؤسسات؟

وفاة رئيس المجلس الإقليمي للقنيطرة تفتح مرحلة جديدة من الأسئلة حول مستقبل النفوذ السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار في أحد أهم معاقله الانتخابية.

لم يكن خبر وفاة جواد غريب، رئيس المجلس الإقليمي للقنيطرة والقيادي البارز بحزب التجمع الوطني للأحرار، مجرد نبأ عن رحيل منتخب محلي، بل شكل حدثا سياسيا بكل المقاييس. فبرحيله يفقد إقليم الغرب أحد أكثر الفاعلين تأثيرا في الحياة السياسية المحلية، ورجلا ارتبط اسمه، على امتداد سنوات، بصناعة التوازنات الانتخابية، وبناء التحالفات، وتدبير مفاصل التنظيم الحزبي.

في السياسة، هناك من يشغل منصبا، وهناك من يتحول إلى عنوان لمرحلة كاملة. وهناك من يدير مؤسسة، وهناك من يصبح، بفعل حضوره ونفوذه، مؤسسة قائمة بذاتها. وكان جواد غريب، بالنسبة لكثير من المتتبعين للشأن المحلي، من هذا الصنف الأخير، إذ لم يكن مجرد رئيس للمجلس الإقليمي للقنيطرة، بل الرجل الأقوى داخل منطقة الغرب، وصاحب الكلمة الوازنة في رسم الخرائط الانتخابية وترتيب موازين القوى.

ولسنوات طويلة، لم يقتصر نفوذ الراحل على حضوره الشخصي، بل امتد إلى محيطه العائلي، حيث يشغل ابنه مقعدا بمجلس النواب، فيما ترأست زوجته المجلس الجماعي لسوق الأربعاء الغرب، كما حضرت ابنتاه داخل مؤسسات منتخبة بين المجلس الجماعي لسوق الآربعاء والمجلس الإقليمي. وهو واقع ظل يثير نقاشا سياسيا بين من اعتبره انعكاسا لثقة الناخبين وقوة الحضور الميداني، وبين من رأى فيه تجسيدا لظاهرة العائلات الانتخابية وتركيز النفوذ داخل دائرة محدودة.

غير أن الجدل حول هذا المعطى لا يحجب حقيقة سياسية أساسية، وهي أن جواد غريب كان أحد أبرز مهندسي الحضور الانتخابي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمنطقة الغرب، وأن كثيرا من الاستحقاقات الانتخابية بالإقليم كانت تمر عبر رؤيته في تدبير الترشيحات، وصناعة التحالفات، والحفاظ على تماسك التنظيم الحزبي.

ومن هنا، فإن رحيله لا يمثل فقط فقدان مسؤول ترابي بارز، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم موازين القوى داخل الحزب، وربما داخل الإقليم بأكمله. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمن سيخلفه على رأس المجلس الإقليمي، وإنما بما إذا كان الحزب قد نجح في بناء مؤسسة سياسية قادرة على الاستمرار بمعزل عن الأشخاص، أم أن قوته بالغرب كانت، إلى حد كبير، مرتبطة بشخصية استطاعت بخبرتها وعلاقاتها أن تجمع خيوط المشهد السياسي بين يديها.

لقد أثبت التاريخ السياسي المغربي، في أكثر من محطة، أن الأحزاب التي ارتبط حضورها بأقطاب انتخابية نافذة وجدت نفسها، بعد رحيلهم، أمام امتحان صعب لاختبار متانة مؤسساتها وقدرتها على الحفاظ على قواعدها الانتخابية. فاستمرار النفوذ لا يقاس فقط بقوة الأفراد، بل بقدرة التنظيم على إنتاج قيادات جديدة وصيانة التوازنات التي بناها السابقون.

وتبدو منطقة الغرب اليوم مقبلة على مرحلة انتقالية دقيقة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، حيث ستتجه الأنظار إلى الكيفية التي سيدبر بها حزب التجمع الوطني للأحرار مرحلة ما بعد أحد أبرز رجالاته الترابيين، وإلى ما إذا كانت الخريطة السياسية بالإقليم ستظل محافظة على توازناتها السابقة، أم أنها ستعرف إعادة توزيع لمراكز النفوذ بين مختلف الفاعلين.

برحيل جواد غريب، تطوى صفحة أحد أبرز صناع القرار السياسي المحلي في الغرب، لكن في المقابل تفتح صفحة أكثر تعقيدا، عنوانها الصراع على الإرث السياسي، وإعادة ترتيب موازين القوى، والبحث عن قيادة قادرة على ملء الفراغ الذي خلفه رجل ظل، لسنوات، رقما صعبا في معادلة السياسة المحلية.

وكما قال الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي: “الأزمة الحقيقية هي أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد.” ولعل هذا الوصف يختزل بدقة اللحظة التي يعيشها المشهد السياسي بمنطقة الغرب اليوم؛ لحظة انتقالية ستكشف ما إذا كانت قوة الأحزاب تكمن في مؤسساتها، أم أنها كانت، طوال سنوات، تستمد نفوذها من حضور رجال استثنائيين يصعب تعويضهم.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...