مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
من المؤكد أن الهجمة الإعلامية والسياسية المتواصلة على المغرب قد تثير قدرا من الاستغراب، غير أن البحث في تاريخ تشكل الوطنية الإسبانية، وفي المرتكزات التي قامت عليها هويتها السياسية، قد يساعد على فهم بعض أوجه الحالة التي يعيشها هذا البلد اليوم، ولا سيما المشاعر العدائية التي ظلت كامنة في الوعي السياسي والثقافي، قبل أن تطفو إلى السطح بمجرد أن برز خلاف جدي حول استمرار احتلال سبتة ومليلية والجزر المتوسطية.
إن فهم بعض أوجه الموقف الإسباني المعاصر تجاه المغرب يقتضي العودة إلى تاريخ تشكل إسبانيا نفسها، إذ لم تكن الدولة الإسبانية نتاج مسار خطي نحو الوحدة، وإنما تشكلت عبر تفاعل معقد بين توحيد التيجان، والاسترداد، وبناء الهوية الكاثوليكية، والتوسع الإمبراطوري، ثم ترسيخ فكرة الوحدة الترابية، ومن ثم، فإن قضية سبتة ومليلية لا تنفصل عن طبقات تاريخية أعمق من مجرد نزاع، لأنها تمس جزءا من التصور الذي شكلت من خلاله الدولة الإسبانية هويتها.
في البداية، كانت هناك مجموعة من الممالك المسيحية، أبرزها قشتالة، وأراغون، ونافارا والبرتغال، إلى جانب الأراضي الإسلامية في الأندلس، غير أن التحول الحاسم جاء سنة 1469 مع زواج إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك أراغون، لكن هذا الزواج لم تسفر عنه دولة إسبانية موحدة، فقد احتفظت قشتالة وأراغون لفترة طويلة بمؤسسات وقوانين وهياكل سياسية مختلفة. وفي 1492 سقطت غرناطة، آخر مملكة إسلامية في شبه الجزيرة، بيد إيزابيلا وفرديناند، وفي السنة نفسها بدأت رحلة كولومبوس.
من هذه الرحلة ترسخت فكرة إسبانيا كقوة إمبراطورية، فعلى مستوى شبه الجزيرة الإيبيرية، أفضى اكتشاف ما أطلق عليه الأوروبيون اسم العالم الجديد، بصورة أساسية، إلى ولادة مشروعين متلازمين؛ مشروع الإمبراطورية، ونشوء فكرة إسبانيا بوصفها كيانا إمبراطوريا، فقد ظهرت إسبانيا إلى الوجود في ظل تلك الفكرة التوسعية الموروثة عن حرب الاسترداد ضد العالم الإسلامي، كما نشرت ذلك المجلة الرقمية “بصمة الجنوب”، بتاريخ 23 أبريل 2020، وهي مجلة أرجنتينية تنتمي لتيار اليسار الراديكالي.
إن تاريخ 12 أكتوبر، هو يوم وصول كولومبوس إلى أمريكا سنة 1492، فقد تحول هذا التاريخ من “يوم العِرق” في عهد فرانكو إلى “يوم الهسبانية” سنة 1958، ثم إلى العيد الوطني لإسبانيا سنة 1987 في عهد حكومة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني. وترى المجلة أن تشكل السلطة والهوية السياسية الإسبانية ارتبط تاريخيا بالنزعة التوسعية، وتعزز ذلك خلال القرن السادس عشر مع صعود الإمبراطورية الإسبانية، ثم تحول بعد تراجعها وفقدان مستعمراتها، خصوصا كوبا والفلبين سنة 1898، إلى ما يصفه النص بالحنين إلى الإمبراطورية وتعزيز التمسك بالوحدة الترابية، وفي هذا السياق، يربط النص استمرار السيطرة الإسبانية على سبتة ومليلية وجزر الكناري بالإرث الإمبراطوري، كما كانت محاولة بناء دولة موحدة تصطدم باستمرار بوجود هويات إقليمية قوية، خصوصا في كتالونيا والباسك وغاليسيا.
و ما يهمنا أن نسجله في هذا السياق، أن غزو إسبانيا لأمريكا اللاتينية، رافقته جرائم إبادة، ارتكبها الغزاة الإسبان، ضد السكان الأصليين، يحكي جزءا منها هرنان كورتيس، الذي استعمر ما يعرف حاليا بالمكسيك، سنة 1521، ودمر حضارة الأزتيك، وكان يكتب لملك أراغون وقشتالة، كارلوس الخامس، ما يقوم به؛ “وفي اليوم التالي خرجت مرة أخرى من جهة أخرى قبل أن يطلع النهار، من دون أن يشعروا بنا، ومعي الفرسان والمئة من المشاة، وكذلك الهنود أصدقائي، فأحرقت أكثر من عشرة قرى، كانت من بينها قرى يزيد عدد منازل بعضها على ثلاثة آلاف منزل. ولما كنا نحمل راية الصليب، ونكافح من أجل إيماننا وخدمة جلالتكم المقدسة، وفي سبيل حظكم الملكي المجيد، منحنا الله نصرا عظيما، فقتلنا عددا كبيرا منهم، من دون أن يلحق برجالنا أي ضرر. ولأنني باغتهم على حين غرة، فقد خرجوا من دون سلاح، وكانت النساء والأطفال عراة في الشوارع، وبدأت ألحق بهم بعض الأذى”.
لحد الآن ترفض الدولة الإسبانية تقديم إعتذار رسمي على الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها في حق هنود أمريكا اللاتينية، وعندما طلب الرئيس المكسيكي، سنة 2019، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، من الملك فيليبي السادس الاعتذار عن الانتهاكات التي تعرض لها السكان الأصليون أثناء الغزو، لم يرد الملك، و في سنة 2024، أقر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بوجود “ألم وظلم” لحقا بالسكان الأصليين، مما دفع بالملك سنة 2026، إلى الإعتراف بانتهاكات خطيرة، لكن دون أي اعتذار رسمي.
ومن بين الملفات التاريخية التي ما تزال تلقي بظلالها على العلاقات المغربية الإسبانية، يبرز ملف استعمال الغازات السامة في الريف وجبالة، خلال الحرب الاستعمارية، وما ارتبط به من آثار إنسانية وبيئية طويلة الأمد، فقد لجأت القوات الإسبانية إلى الأسلحة الكيمياوية في حربها ضد المقاومة، خصوصا بعد هزيمتها في معركة أنوال سنة 1921، في وقت لم تقدم فيه إسبانيا اعتذارا رسميا للمغرب عن هذه الممارسات، خاصة وأن هناك قرائن علمية تربط بين آثار التعرض لتلك المواد وبين استمرار بعض الأمراض في المنطقة، بما في ذلك أمراض السرطان التي طالت أجيالا لاحقة من السكان.
