Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الغلاء المفتعل وشبهة صناعة الأزمات

بقلم/الحسين الكانة

لم يعد الغلاء الذي يعيشه المواطن المغربي مجرد ارتفاع عادي في الأسعار يمكن تفسيره بتقلبات السوق أو الأزمات الدولية، بل أصبح بالنسبة لكثير من الأسر إحساسًا يوميًا بالضغط والعجز وفقدان الأمان الاجتماعي. فكل مناسبة دينية أو اجتماعية تتحول إلى موسم جديد لاستنزاف القدرة الشرائية للمواطنين، وسط صمت حكومي يثير الكثير من علامات الاستفهام.

وقد تجلى هذا الوضع بوضوح خلال الاستعداد لعيد الأضحى، بعدما تم الترويج رسميًا لفكرة “وفرة القطيع” وطمأنة المواطنين بشأن وضعية السوق، قبل أن يصطدم الجميع بواقع مختلف تمامًا، عنوانه الارتفاع المهول للأسعار وصعوبة اقتناء الأضحية بالنسبة لآلاف الأسر المغربية. والأكثر إثارة للجدل أن هذا الوضع جاء رغم الحديث عن تخصيص ملايين الدراهم لدعم كبار الكسابة، دون أن يظهر أي أثر ملموس لهذا الدعم على مستوى وفرة العرض أو انخفاض الأسعار.

“عييت ما ندور وما لقيتش”… كلمات تختصر حجم المعاناة التي تعيشها اليوم آلاف الأسر المغربية أمام الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي. سيدة تغالب دموعها وهي تبحث عن أضحية تناسب قدرتها البسيطة، في مشهد مؤلم يكشف كيف تحول العيد عند كثير من المواطنين من مناسبة للفرح والتكافل إلى مصدر للقلق والحسرة والعجز.

هنا يطرح المواطن البسيط سؤالًا مشروعًا: أين ذهبت أموال الدعم؟ ولماذا لم تنعكس على السوق بالشكل الذي يحمي القدرة الشرائية للأسر؟ ولماذا تبدو الدولة عاجزة عن التدخل لوقف المضاربة والاحتكار والتلاعب بالأسعار؟

ويصعب اليوم تصديق أن ما يحدث مجرد عجز أو ضعف في التدبير، لأن الدولة التي نجحت في تدبير جائحة كورونا، وفرضت الحجر الصحي وطبقت إجراءات صارمة شملت الجميع، أثبتت أنها تمتلك القدرة على التدخل والحزم حين تتوفر الإرادة السياسية لذلك. فالدولة التي استطاعت مراقبة تنقلات المواطنين خلال الجائحة، قادرة كذلك على مراقبة الأسواق وردع المحتكرين والمضاربين إن أرادت فعلًا حماية المواطنين.

لكن استمرار الوضع على حاله، وترك المواطن وحيدًا في مواجهة الغلاء والجشع، يدفع فئات واسعة إلى الاعتقاد بأن هناك تساهلًا غير مفهوم مع المضاربين، بل إن البعض أصبح يتحدث عن شبهة تعمد صناعة الأزمات أو على الأقل الاستفادة من استمرارها، خاصة عندما تغيب المحاسبة الحقيقية وتستمر المعاناة دون حلول ملموسة.

والأخطر من ذلك أن الفاسد لا يصل وحده، بل تحمله أكتاف الصامتين، ويقويه خوف المترددين، ويمنحه الاستمرار أولئك الذين اعتادوا التذمر في الخفاء والصمت في العلن. فالفساد لا يعيش فقط بوجود الفاسدين، بل أيضًا بغياب المحاسبة، وضعف الوعي، واستسلام المجتمع للأمر الواقع. وحين يصمت الشرفاء، يصبح الطريق معبدًا أمام كل انتهازي ليستبيح حقوق الناس ويعبث بمصالحهم دون خوف أو رادع.

إن الدولة لا تُقاس فقط بقوة مؤسساتها أو حجم مشاريعها، بل بمدى قدرتها على حماية المواطن وضمان كرامته وجودة حياته. وعندما تشعر أم مغربية بالعجز والبكاء لأنها غير قادرة على إدخال فرحة العيد إلى بيتها، فالمشكل لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح يمس كرامة المواطن وثقته في من يفترض أنهم يدبرون الشأن العام.

إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل فقدان المواطن ثقته في أن هناك من يدافع عن مصالحه ويحميه من الجشع والتغول. وحين تصبح الأزمات تتكرر دون حلول، ويغيب الإحساس بالعدالة والإنصاف، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل نحن أمام عجز حقيقي، أم أمام واقع يُترك ليستمر لأنه يخدم مصالح معينة؟


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...