مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست التفاهة السياسية مجرد ضعف في الخطاب، ولا فقرا في الأفكار، ولا عجزا عابرا عن إنتاج المواقف. إنها، حين تستفحل داخل المجال الحزبي، تتحول إلى مرض مؤسسي كامل الأعراض، يبدأ بإفراغ السياسة من معناها، وينتهي بتحويلها من فضاء لخدمة المواطن والدفاع عن الصالح العام إلى سوق للمواقع، ومزاد للتزكيات، وشبكة من الولاءات والمصالح، حيث يصبح المال أقوى من الفكرة، والقرب أقوى من الكفاءة، والصمت أكثر قيمة من النقد، والولاء أهم من الاستحقاق. وهنا تحديدا تبدأ نهاية السياسة.
لقد كان أرسطو يرى أن الإنسان “حيوان سياسي”، ليس لأن السياسة مهنة أو طريق إلى السلطة، وإنما لأن الاجتماع الإنساني لا يستقيم إلا عبر المشاركة في تدبير الشأن العام. ومنذ ذلك الزمن البعيد، ظلت السياسة في معناها الأصيل مرتبطة بفكرة الخير العام، قبل أن تتحول في بعض تجاربنا المعاصرة إلى سباق محموم نحو المواقع والامتيازات.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا اليوم ليس فقط: من يفوز في الانتخابات؟ بل: كيف وصل إلى موقع الترشيح أصلا؟
فحين يصبح الوصول إلى التزكية مرتبطا بالقدرة على الإنفاق، أو بشبكة المصالح، أو بالقرب من مراكز النفوذ، فإننا لا نكون أمام خلل انتخابي بسيط، بل أمام اختلال في فلسفة العمل الحزبي برمتها.
الحزب، في الديمقراطية الحديثة، يفترض أن يكون مدرسة لإنتاج النخب وتأطير المواطنين وتكوين القيادات. أما عندما يتحول إلى دكان انتخابي يفتح أبوابه قبيل الاستحقاقات، فإنه يفقد وظيفته التاريخية، ويصبح مجرد وسيلة للوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
وهنا تستحضرني عبارة شهيرة لألكسيس دو توكفيل في حديثه عن الديمقراطية: “الديمقراطية ليست فقط نظاما للحكم، بل حالة اجتماعية.” ومعنى ذلك أن الديمقراطية لا تختصر في صناديق الاقتراع، وإنما تبدأ من الثقافة التي تحكم المؤسسات، ومن طريقة اتخاذ القرار، ومن احترام الإنسان لحقه في الاختلاف والمشاركة.
فماذا تعني الديمقراطية إذا كان العضو الحزبي يطلب منه أن يصمت حين تبدأ عملية الاختيار؟
وماذا تعني المؤسسات إذا كانت الاجتماعات واللجان والآليات التنظيمية لا تعدو أن تكون أحيانا واجهة لإضفاء الشرعية على اختيارات حسمت في أماكن أخرى؟
وماذا يعني الحديث عن تكافؤ الفرص إذا كان بعض المرشحين يدخلون السباق محملين بالمال والنفوذ، بينما يدخل آخرون بما راكموه من سنوات في العمل الميداني والنضال والتأطير والكفاءة؟ إنها ليست ديمقراطية داخلية، بل مسرحة للديمقراطية.
والمشكلة أن هذه الممارسات لا تقع دائما في الظلام. أحيانا يجري تأثيث المشهد بعناية: منصات، كلمات، لجان، صور، بيانات، لغة عن التشاور والمناصفة وتكافؤ الفرص، بينما يكون القرار الحقيقي قد اتخذ بعيدا عن كل ذلك.
وهنا يصبح التنظيم الحزبي مجرد ديكور، ويصبح المناضل مطلوبا منه أن يصفق للقرار أكثر مما هو مطلوب منه أن يشارك في صنعه. وهذا هو الطريق الأقصر نحو موت السياسة من الداخل.
فالسياسة لا تموت عندما يختلف السياسيون، وإنما عندما يصبح الاختلاف خطرا، والنقد خيانة، والاستقلالية عبئا، والولاء شرطا للصعود.
وقد قال جون ستيوارت ميل، في دفاعه الشهير عن الحرية، إن “من يعرف جانبا واحدا من القضية لا يعرف شيئا عنها”. وهذه الفكرة تتجاوز النقاش الفكري إلى صميم الحياة الحزبية: الحزب الذي لا يحتمل الرأي المختلف، لا ينتج سياسة، بل ينتج طاعة.
والحزب الذي لا يستطيع أن يسمع نقدا من داخله، لن يستطيع أن يسمع غضب المجتمع خارجه.
أما الأكثر إيلاما، فهو أن هذه العقلية لا تستثني النساء، بل قد تجعل المرأة في بعض الحالات تدفع ثمنها مضاعفا.
في الخطاب، المرأة حاضرة بقوة: المناصفة، التمكين، المساواة، تجديد النخب، المشاركة السياسية. أما عندما يتعلق الأمر بالقرار الحقيقي، وبالتزكية، وباللوائح، وبالمواقع التي تمنح سلطة فعلية، فإن لغة أخرى تبدأ في الظهور؛ لغة الشروط غير المعلنة، والحسابات التنظيمية، والولاءات، والقدرة على تمويل المعركة، وكأن المرأة مطالبة بأن تكون حاضرة، ولكن ليس إلى درجة أن تصبح صاحبة قرار. وهنا تبلغ المفارقة حدها الأقصى.
نرفع المرأة إلى المنصة حين تكون الكاميرات مفتوحة، ثم نبحث عن الأعذار عندما تصبح المنافسة جدية.
نريد صورتها لإثبات الحداثة، وصوتها في الانتخابات، وحضورها في المؤتمرات، لكننا قد لا نكون دائما مستعدين لقبول استقلاليتها حين تتحول من مجرد واجهة إلى فاعل سياسي يريد أن يصنع القرار. وهذه ليست حداثة. هذه سكيزوفرينيا سياسية علنية.
إن التمييز الإيجابي لم يأت ليكون منحة حزبية، ولا مكافأة على الولاء، ولا ورقة للمساومة. جاء لمعالجة اختلال تاريخي جعل النساء أقل حضورا في مواقع القرار، ولذلك فإن تحويل آليات الإنصاف إلى أدوات للتحكم والإقصاء يناقض الفلسفة التي قامت عليها. والمساواة لا تعني أن نمنح المرأة مكانا في الصورة.
المساواة تعني أن نعترف لها بحقها في صناعة الصورة والقرار معا.
وقد قال نيلسون مانديلا: “لا يمكن لمجتمع أن يقاس بمدى تقدمه إلا من خلال الطريقة التي يعامل بها نساءه.” وإذا كانت هذه المقولة صادرة في سياق مختلف، فإن دلالتها السياسية تظل عميقة: لا يمكن لأي حزب أن يقدم نفسه بوصفه تقدميا وحداثيا بينما يمارس داخله أشكالا من الإقصاء التي يناقض بها خطابه.
فالتقدمية ليست لونا في الملصق الانتخابي، ولا كلمة في بيان سياسي، ولا صورة امرأة في الصف الأول. التقدمية ممارسة. والديمقراطية ممارسة. والحداثة ممارسة. والأخلاق السياسية ممارسة.
ومن هنا يصبح من الضروري أن نعيد النظر أيضا في مفهوم الفساد السياسي.
فالفساد لا يبدأ دائما من المال العام، ولا ينتهي عند الرشوة والاختلاس. هناك فساد أكثر خفاء، لكنه أكثر خطورة على المدى البعيد: فساد الاستحقاق.
حين يأخذ غير المستحق مكان المستحق، وحين تقصى الكفاءة لمصلحة الولاء، وحين تصبح المحاباة قاعدة، وحين تتحول المواقع إلى مكافآت شخصية، فإن المؤسسة تكون قد بدأت في فقدان مناعتها الأخلاقية.
الفساد يبدأ أحيانا من لحظة نقنع فيها أنفسنا بأن الكفاءة ليست ضرورية.
ويبدأ أيضا عندما يصبح السؤال “من يستطيع أن يفوز؟” أهم من السؤال “من يستحق أن يمثل الناس؟”.
فالانتخابات ليست فقط عملية حسابية لجمع الأصوات. إنها، في جوهرها، تفويض للثقة.
وإذا كانت الطريق إلى ذلك التفويض تمر عبر المال والنفوذ بدل الكفاءة والنزاهة، فإننا نكون قد استبدلنا الديمقراطية بمنطق آخر، قد يكون قانونيا في بعض مظاهره، لكنه مفسد للسياسة في جوهره.
وهنا نستعيد تحذير مونتسكيو من تركز السلطة، إذ ربط الحرية بضرورة ألا تنفرد قوة واحدة بكل أدوات القرار. فالمؤسسة التي يتركز فيها القرار داخل دائرة ضيقة، ولا توجد فيها موازين داخلية حقيقية، معرضة لأن تتحول من مؤسسة إلى إرادة أشخاص.
وهذا بالضبط ما يجب أن تخشاه الأحزاب. فالأحزاب لا تموت فقط عندما تخسر الانتخابات. قد تخسر الانتخابات وتعود. ولا تموت فقط عندما يتغير زعيم. قد يتغير الزعيم وتبقى المؤسسة.
الأحزاب تبدأ في الموت عندما يفقد مناضلوها الإيمان بأن الكفاءة يمكن أن تقود، وأن الصراحة يمكن أن تكافأ، وأن النقد يمكن أن يسمع، وأن التزكية يمكن أن تكون استحقاقا لا صفقة.
وعندما يصل هذا الشعور إلى المواطن، تصبح الأزمة أكبر من حزب. تصبح أزمة ثقة في السياسة نفسها. وهنا ينبغي أن نتوقف طويلا.
لأن المواطن الذي يرى المال يسبق المشروع، والعلاقات تسبق الكفاءة، والولاء يسبق الاستحقاق، والمرأة تستعمل في الواجهة ثم تقصى عند القرار، لا يعاقب بالضرورة الحزب الذي فعل ذلك وحده؛ بل يبدأ في معاقبة فكرة المشاركة السياسية برمتها.
وعندما يقول المواطن: “لا شيء سيتغير”، فإن الديمقراطية تكون قد خسرت شيئا أكثر أهمية من مقعد انتخابي: خسرت الأمل.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع.
فكما قال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، فإن الديمقراطية تحتاج إلى فضاء عمومي يسمح بالنقاش العقلاني والتداول الحقيقي. وحين يتحول المجال السياسي إلى مجرد تبادل للمصالح، فإن الفضاء العمومي نفسه يتآكل، ويصبح المواطن متلقيا لقرارات لم يشارك في صياغتها، لا شريكا في إنتاجها.
لهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست مع شخص بعينه، ولا مع حزب بعينه، ولا مع مرشح بعينه.
المعركة مع منطق. منطق يعتبر الحزب ملكية خاصة. منطق يعتبر التزكية حقا لمن يملك المال. منطق يعتبر المرأة واجهة. منطق يعتبر المناضل رقما. منطق يعتبر النقد تمردا. ومنطق يعتبر الانتخابات مجرد موسم لبيع الوهم السياسي.
إنقاذ السياسة يبدأ من استعادة معنى بسيط: المؤسسة أقوى من الأشخاص، والاستحقاق أقوى من الولاء، والكفاءة أقوى من المال، والمواطن أقوى من كل الحسابات الانتخابية.
فالتزكية ليست صفقة. والحزب ليس دكانا. والمناضلون ليسوا جمهورا للتصفيق. والمرأة ليست أثاثا للمنصات. والكفاءة ليست سلعة. والديمقراطية ليست حفلاً موسميا. والسياسة، قبل كل شيء، أخلاق ومسؤولية.
وقد قال إدموند بيرك إن “كل ما هو ضروري لانتصار الشر هو أن لا يفعل الأخيار شيئا”. وفي السياسة، ربما يكون الصمت أمام العبث أخطر من العبث نفسه؛ لأن التفاهة لا تصبح نظاما إلا عندما يتعايش معها العقلاء، ولا تصبح قاعدة إلا عندما يتوقف أصحاب الكفاءة عن مقاومتها.
لذلك، فإن كسر الصمت ليس ترفا. والنقد ليس عداء. والاعتراض ليس خيانة. والمطالبة بالاستحقاق ليست طموحا غير مشروع. بل هي، في النهاية، دفاع عن السياسة قبل أن تكون دفاعا عن الأشخاص.
فالسياسة التي لا تحرسها الأخلاق تتحول إلى تجارة، والديمقراطية التي لا تمارس داخل الأحزاب تصبح مجرد ادعاء، والتقدمية التي لا تنصف النساء ليست سوى قناع جميل يخفي وراءه واقعا محافظا ومصلحيا.
وحين يصبح المال أقوى من الفكرة، والولاء أقوى من الكفاءة، والصمت أثمن من الصراحة، والتزكية أقرب إلى المزاد منها إلى التكليف، فإننا لا نكون فقط أمام تفاهة سياسية. نكون أمام بداية نهاية السياسة.
ولعل أخطر ما في هذه النهاية أنها لا تأتي بصوت مرتفع. لا تعلن عن نفسها.
إنها تبدأ بهدوء، في اجتماع حزبي صغير، حين يتم تجاوز صاحب الكفاءة لصالح صاحب النفوذ؛ وفي لجنة ترشيح حين يصبح القرار معدا قبل النقاش؛ وفي امرأة تطلب صورتها ولا يطلب رأيها؛ وفي مناضل يقرر الصمت لأنه أدرك أن الكلام لن يغير شيئا. ثم تكبر. حتى يأتي اليوم الذي لا يعود فيه أحد يسأل: لماذا؟
وهنا فقط نكتشف أن التفاهة لم تعد ممارسة عابرة، بل أصبحت ثقافة. وعندما تصبح التفاهة ثقافة، يصبح إنقاذ السياسة أكثر صعوبة. لكنها ليست مستحيلة. لأن السياسة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى شجاعة أخلاقية تعيد للكفاءة مكانتها، وللنضال قيمتها وللمؤسسات استقلالها، وللنساء حقهن الكامل في القرار والقيادة، وللمواطن ثقته في أن صوته ليس مجرد رقم في صندوق.
فالمرأة ليست ديكورا انتخابيا. والكفاءة ليست سلعة. والتزكية ليست مزادا. والحزب ليس دكانا. والسياسة ليست مهنة للانتهازيين.
وحين ننسى هذه الحقائق، لا يبقى من الديمقراطية إلا اسمها، ولا من التقدمية إلا شعارها، ولا من العمل الحزبي إلا تفاهة موجعة تدار باسم السياسة.
للأسف…
