مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
سيدي سليمان / آخر خبر
تعيش مصالح المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بالغرب على وقع حالة من الاحتقان، على خلفية خلاف تدبيري يرتبط بوضعية عدد من العمال المناولين المكلفين بتوزيع مياه السقي بإقليم سيدي سليمان، بعدما أثارت قرارات إدارية جديدة بشأن مستحقاتهم المالية موجة من الاستياء في صفوف المعنيين، ودفعت الهيئات النقابية إلى الدخول على خط الملف والمطالبة بمراجعة ما تعتبره إجراء انفراديا يمس بحقوق الشغيلة.
وبحسب المعطيات المتداولة في أوساط العمال والنقابيين، فإن جوهر الخلاف يرتبط بقرار يقضي بحرمان فئة من موزعي مياه السقي من مستحقات مالية كانت تستفيد منها بانتظام منذ سنة 2012، وهو ما اعتبرته الجهات النقابية المعنية تحولا مفاجئا في طريقة تدبير وضعية هذه الفئة، خصوصا في ظل استمرار الاستفادة من المعاملة السابقة في مقاطعات أخرى تابعة للمكتب نفسه، وفق ما تؤكده المصادر المتداولة حول الملف.
وتقول المصادر ذاتها إن القرار نسب إلى رئيس مصلحة مقاطعة شبكة الري، تحت مبرر يرتبط بـ” الحكامة الجيدة”، غير أن هذا التبرير لم ينجح، بحسب النقابيين، في تبديد علامات الاستفهام التي رافقت القرار، خاصة أن الأمر يتعلق بفئة ظلت تؤدي مهامها في إطار منظومة توزيع مياه السقي منذ سنوات، وأن أي تغيير في شروط الاستفادة من المستحقات يطرح، في نظرهم، ضرورة توضيح الأساس القانوني والإداري الذي يستند إليه.
وتتجاوز القضية، بحسب المتابعين، مجرد خلاف حول مستحقات مالية، لتلامس سؤالا أوسع يتعلق بكيفية تدبير الموارد البشرية المتعاقدة أو المناولة داخل مؤسسة عمومية ذات ارتباط مباشر بالقطاع الفلاحي، وبمصالح الفلاحين وباستمرارية خدمات الري. فحين يتعلق الأمر بعمال ظلوا لسنوات جزءا من منظومة تشغيلية مرتبطة بتوزيع مياه السقي، فإن أي قرار يمس وضعيتهم المالية والاجتماعية لا يمكن أن يكون مجرد إجراء إداري عابر، بل يحتاج إلى وضوح في المعايير، وتوحيد في التطبيق، وتواصل مؤسساتي يشرح للمعنيين خلفياته ومبرراته.
وفي هذا السياق، دخلت النقابة الوطنية للفلاحة بسيدي سليمان والاتحاد الإقليمي الكونفدرالي بالقنيطرة على خط القضية، حيث أصدرتا بيانا بشأن الوضع، عبرتا فيه عن رفضهما لما اعتبرتاه إجراء تعسفيا يمس حقوق الشغيلة، معتبرتين أن القرار لا ينسجم مع الأهداف التي أبرمت من أجلها صفقة التعاقد مع هذه الفئة.
وترى الهيئتان النقابيتان أن المسألة لا ينبغي اختزالها في قراءة إدارية ضيقة لمفهوم “الحكامة الجيدة”، لأن الحكامة، في معناها المؤسساتي، لا تعني فقط ترشيد التدبير أو مراقبة النفقات، وإنما تشمل كذلك احترام القواعد، وضمان المساواة في المعاملة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الحقوق المكتسبة التي يحدد القانون والاتفاقات والعقود نطاقها وشروطها.
وتطرح هذه النقطة تحديدا أحد أبرز الأسئلة التي تنتظر جوابا واضحا من الإدارة: إذا كانت هناك أسباب قانونية أو تدبيرية تبرر تغيير طريقة احتساب أو صرف المستحقات، فلماذا لم يتم توضيح هذه الأسباب للمعنيين، وما هي المرجعية القانونية أو التعاقدية التي تبرر الانتقال من وضع استمر منذ سنة 2012 إلى وضع جديد؟
كما يثير المعطى المتعلق باختلاف طريقة التعامل بين المقاطعات التابعة للمكتب نفسه سؤالا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمدى توحيد المعايير الإدارية داخل المؤسسة. فالحكامة لا تقاس فقط بحجم الأموال التي يتم الاقتصاد فيها، وإنما كذلك بمدى اتساق القرارات وتطبيقها وفق قواعد واضحة وغير انتقائية.
ومن زاوية أخرى، فإن طبيعة المهام التي يؤديها موزعو مياه السقي تجعل الملف ذا حساسية خاصة. فخدمات الري ترتبط مباشرة بالدورة الفلاحية وباستقرار الإنتاج وبمصالح عدد كبير من الفلاحين، وبالتالي فإن أي توتر اجتماعي داخل منظومة تدبير هذه الخدمة يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود العلاقة بين الإدارة والعمال، خصوصا إذا طال أمد الخلاف أو تحول إلى احتجاجات ميدانية.
النقابيون، من جهتهم، يطالبون بالتراجع عن القرار الذي وصفوه بالانفرادي، وفتح حوار جدي ومسؤول مع ممثلي العمال، بما يسمح بتوضيح الوضعية القانونية والتعاقدية لهذه الفئة، ومعالجة الإشكال بعيدا عن منطق فرض الأمر الواقع.
ويبدو أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في قيمة المستحقات موضوع الخلاف، وإنما في منهجية اتخاذ القرار نفسها: هل يتعلق الأمر بإعادة تنظيم تستند إلى نصوص واضحة وتنطبق على الجميع؟ أم بإجراء محدود يهم فئة دون أخرى؟ وهل تم احترام المساطر الإدارية والتعاقدية ذات الصلة؟ وهل تم إشراك المعنيين وممثليهم في أي تغيير يمس وضعيتهم المهنية والمالية؟
وهي أسئلة مشروعة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمؤسسة عمومية يفترض أن تقوم قراراتها على قواعد الشفافية والإنصاف والمساواة في التعامل.
وفي انتظار توضيحات رسمية من المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بالغرب بشأن خلفيات القرار والأساس القانوني والتعاقدي الذي يستند إليه، يظل الملف مفتوحا على أكثر من احتمال، بين إمكانية الوصول إلى تسوية عبر الحوار، وبين اتساع دائرة الاحتقان إذا استمر القرار دون معالجة أو توضيح.
وفي كل الأحوال، فإن ما تحتاجه هذه القضية، قبل أي شيء، هو الاحتكام إلى الوثائق والعقود والنصوص القانونية، وليس إلى الاجتهادات الفردية؛ لأن الحكامة الحقيقية لا تقاس بمدى القدرة على اتخاذ القرار، وإنما بمدى مشروعيته وشفافيته واتساقه مع القواعد، وبقدرته على تحقيق التوازن بين حسن تدبير المال العام واحترام حقوق من يساهمون في تنفيذ المرفق العمومي على أرض الواقع.
ويبقى الرهان اليوم على أن تتحول هذه الأزمة من مصدر للاحتقان إلى فرصة لمراجعة طريقة تدبير هذا الملف، بما يضمن حقوق العمال، ويحافظ في الوقت نفسه على انتظام خدمات الري ومصالح الفلاحين، ويعيد الثقة بين مختلف الأطراف داخل المنظومة المؤسساتية المعنية.
