Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الانتخابات التشريعية المغربية في 23 شتنبر 2026: إعادة تركيب التوازنات الحزبية وسيناريوهات تشكيل «حكومة المونديال» بين منطق التحالفات والدستور السياسي

أفرزت الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت في 23 شتنبر 2026 إعادة ترتيب واضحة للخريطة الحزبية داخل مجلس النواب، دون أن تقطع بصورة جذرية مع البنية العامة للنظام الحزبي الذي تشكل خلال الولاية السابقة.

فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعداً من أصل 395، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً، بينما سجل حزب العدالة والتنمية عودة قوية إلى المرتبة الرابعة بـ54 مقعداً. كما حصلت الحركة الشعبية على 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، والاتحاد الدستوري على 17 مقعداً. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02%، وفق المعطيات الرسمية الأولية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها لا تأتي في سياق انتخابي عادي، وإنما في لحظة سياسية واقتصادية واستراتيجية يتقاطع فيها تدبير الدولة الاجتماعية، والاستعدادات المرتبطة باستحقاقات كأس العالم 2030، وتسريع مشاريع البنية التحتية والاستثمار، مع استمرار تحديات التشغيل والأسعار والخدمات العمومية والتفاوتات المجالية.

غير أن القراءة العلمية لهذه النتائج تقتضي الحذر من تحويل الترتيب الانتخابي إلى استنتاجات نهائية بشأن طبيعة الحكومة المقبلة. فتصدر حزب معين للانتخابات يمنحه، وفق الفصل 47 من دستور 2011، موقع الحزب الذي يُعيَّن منه رئيس الحكومة، لكن تشكيل الحكومة نفسها يظل رهيناً ببناء أغلبية برلمانية قادرة على منح الثقة للبرنامج الحكومي. فالفصل 88 يشترط حصول الحكومة على ثقة مجلس النواب بأغلبية مطلقة من أعضائه، أي 198 نائباً من أصل 395.

ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن تصدر الانتخابات، وإنما بكيفية ترجمة هذه الصدارة إلى أغلبية حكومية، وبطبيعة التحالفات التي ستنشأ بين الأغلبية والمعارضة، وبمدى استمرار منطق الحكومات الائتلافية الذي أصبح سمة شبه بنيوية في التجربة المغربية المعاصرة.

وفي نفس السياق إلى أي حد أعادت انتخابات 23 شتنبر 2026 تشكيل موازين القوى بين الأغلبية والمعارضة في المغرب، وما هي حدود قدرة حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره الحزب المتصدر، على تحويل تقدمه الانتخابي إلى أغلبية حكومية منسجمة، في ضوء الفصل 47 والفصل 88 من دستور 2011، وفي ضوء الخبرة التاريخية المغربية في تشكيل الحكومات الائتلافية منذ حكومة التناوب سنة 1998 إلى حكومات ما بعد دستور 2011؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة أخرى: هل نحن أمام تداول حكومي داخل نفس الكتلة السياسية التي حكمت خلال الولاية السابقة، أم أمام إعادة تركيب أوسع للمشهد؟ وما موقع العدالة والتنمية والمعارضة اليسارية والمحافظة في الخريطة الجديدة؟ وهل يمكن أن تنتج انتخابات 2026 حكومة سياسية مختلفة فعلاً أم مجرد إعادة توزيع للحقائب داخل فضاء الأغلبية السابقة؟

المحور الأول: انتخابات 23 شتنبر 2026 وإعادة تركيب الخريطة الحزبية المغربية

تُظهر النتائج الأولية أن الانتخابات لم تنتج حزباً يقترب منفرداً من الأغلبية المطلقة، وإنما أفرزت برلماناً متعدد الأقطاب. وهذه السمة ليست جديدة في التجربة المغربية؛ فقد كانت الانتخابات السابقة بدورها تنتج برلمانات مجزأة تجعل تشكيل الحكومة مرتبطاً بالتفاوض بين عدة أحزاب.

غير أن الجديد في انتخابات 2026 هو تغيير مركز الثقل داخل الكتلة الحكومية السابقة.

ففي انتخابات 2021 تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعد، يليه الأصالة والمعاصرة بـ87 والاستقلال بـ81. أما في انتخابات 2026 فقد أصبح الترتيب: الأصالة والمعاصرة 97، التجمع الوطني للأحرار 66، والاستقلال 65. وبذلك انتقل مركز الثقل من الأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، بينما ظل الاستقلال لاعباً رئيسياً رغم تراجعه العددي.

وهذا التحول مهم من زاوية العلوم السياسية؛ لأنه لا يمثل بالضرورة تغييراً في طبيعة النظام السياسي أو في الاتجاه العام للسلطة التنفيذية، وإنما يمكن وصفه بأنه إعادة توزيع للقوة داخل المجال الحزبي الذي شكل الحكومة السابقة.

فالكتلة التي كانت تقود الحكومة في 2021 — التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال — ظلت هي نفسها تقريباً في مقدمة النتائج، لكن ترتيب مكوناتها تغير بصورة جوهرية.

وتكشف المقارنة الرقمية عن مفارقة مهمة: حصل الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، أي بزيادة عشرة مقاعد مقارنة بـ2021، بينما فقد التجمع الوطني للأحرار 36 مقعداً، وفقد الاستقلال 16 مقعداً. وفي المقابل، ارتفع تمثيل العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعداً، أي بزيادة 41 مقعداً.

وهنا ينبغي التمييز بين التغيير في عدد المقاعد والتغيير في طبيعة النظام الحزبي. فالعدالة والتنمية استعاد جزءاً مهماً من حضوره البرلماني، لكنه لا يزال بعيداً عن موقعه الانتخابي في 2016 عندما حصل على 125 مقعداً. ومن ثم، فإن عودته لا تعني بالضرورة عودة النظام الحزبي إلى مرحلة ما قبل 2021، بل تعني أن الحزب عاد إلى موقع يمكنه معه التأثير في التوازنات البرلمانية والسياسية.

أما أحزاب اليسار، فتظل موزعة بين الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً وتحالف اليسار بـ8 مقاعد وفق النتائج المؤقتة المنشورة.

وبذلك أصبح مجلس النواب الجديد يقوم، بصورة تقريبية، على ثلاث دوائر سياسية:

دائرة القوة الحكومية السابقة، التي تصدرها الأصالة والمعاصرة ثم الأحرار والاستقلال.

دائرة المعارضة المحافظة/الإسلامية، ممثلة أساساً في العدالة والتنمية.

دائرة المعارضة اليسارية والوسطية والمحافظة الأخرى، وتشمل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري وغيرها.

لكن هذا التقسيم لا ينبغي فهمه باعتباره انقساماً أيديولوجياً صارماً، لأن التجربة المغربية أظهرت تاريخياً قدرة الأحزاب على الانتقال من المعارضة إلى الحكومة، وعلى الدخول في تحالفات تتجاوز الفواصل الإيديولوجية التقليدية.

المحور الثاني: بين التصويت الانتخابي والتصويت العقابي — ماذا تقول نسبة المشاركة؟

لا يمكن تحليل انتخابات 2026 اعتماداً على توزيع المقاعد وحده. فالمشاركة الانتخابية تمثل متغيراً أساسياً في فهم الشرعية الانتخابية والسياسية للخريطة الجديدة.

وقد بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02%، بحسب المعطيات الرسمية المنشورة في أعقاب الاقتراع.

وتكتسب هذه النسبة أهميتها عند مقارنتها بانتخابات 2021، التي سجلت مشاركة تجاوزت 50%. وتشير المعطيات المنشورة حول انتخابات 2026 إلى أن التراجع في المشاركة يفتح سؤالاً أوسع حول علاقة قطاعات من المواطنين بالأحزاب والعملية الانتخابية.

لكن منهجياً، لا ينبغي تفسير انخفاض المشاركة باعتباره تلقائياً «عقاباً» للأحزاب. فهذا استنتاج يحتاج إلى معطيات مسحية حول دوافع الناخبين. يمكن، في المقابل، القول إن انخفاض المشاركة يحد من إمكانية قراءة النتائج باعتبارها تعبيراً شاملاً عن مواقف المجتمع كله.

ومن منظور علم السياسة الانتخابي، فإن الأحزاب لا تتنافس فقط على أصوات الناخبين، وإنما أيضاً على تعبئة القواعد الانتخابية. ولذلك قد تكون النتيجة الانتخابية انعكاساً لمزيج من عدة عوامل: قوة التنظيم المحلي، الحضور الشخصي للمرشحين، الشبكات الانتخابية، التصويت الحضري والقروي، طبيعة الدائرة الانتخابية، إضافة إلى المواقف من أداء الحكومة.

وتؤكد المعطيات المنشورة حول انتخابات 2026 استمرار أهمية العامل المحلي والشخصي؛ فقد سجلت دوائر مختلفة نتائج مغايرة تماماً للترتيب الوطني، كما ظل حضور الأعيان والشخصيات المحلية عاملاً مؤثراً في عدد من المناطق.

ومن هنا فإن تفسير صعود الأصالة والمعاصرة أو تراجع التجمع الوطني للأحرار يجب ألا يختزل في عامل واحد. فالتفسير القائل بوجود «تصويت عقابي» ضد الحزب الحكومي السابق هو تفسير طرحه بعض المحللين، وليس حقيقة إحصائية محسومة. وقد ربطت تحليلات صحفية بالفعل جانباً من تراجع الأحرار بما سمي بالتصويت العقابي، في حين أشارت تحليلات أخرى إلى انتقال شخصيات سياسية وإعادة تركيب الشبكات الانتخابية.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً إذا استحضرنا عودة العدالة والتنمية. فقد انتقل الحزب من 13 مقعداً في 2021 إلى 54 مقعداً في 2026، وهو تحول كبير، لكنه لا يعيده إلى موقعه السابق كقوة انتخابية أولى. ولذلك يمكن فهم النتيجة باعتبارها استعادة جزئية للقدرة التمثيلية وليس عودة كاملة إلى مرحلة الهيمنة الانتخابية السابقة.

المحور الثالث: من دستور 2011 إلى انتخابات 2026 — منطق تشكيل الحكومة في النظام السياسي المغربي

لفهم سيناريوهات تشكيل الحكومة المقبلة، لا يكفي النظر إلى الحسابات العددية، بل يجب العودة إلى البناء الدستوري المغربي.

يمثل الفصل 47 نقطة الانطلاق الأساسية، إذ ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

وبناءً عليه، فإن تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات يمنحه أفضلية دستورية واضحة في مرحلة تعيين رئيس الحكومة، لكنه لا يعني أن الحزب يستطيع تشكيل حكومة بمفرده؛ فهو لا يمتلك سوى 97 مقعداً، في حين تتطلب المصادقة على البرنامج الحكومي أغلبية مطلقة تبلغ 198 عضواً.

وهنا يظهر الفصل 88 بوصفه الحلقة الثانية في العملية الدستورية. فبعد تعيين أعضاء الحكومة، يقدم رئيس الحكومة برنامجها أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ثم يصوت مجلس النواب على البرنامج، ولا تصبح الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.

وهذا يعني أن هناك فرقاً بين:

أولاً: الشرعية الدستورية لتعيين رئيس الحكومة.

ثانياً: القدرة البرلمانية على تنصيب الحكومة.

وهذا التمييز مهم جداً في فهم انتخابات 2026. فالفصل 47 يحسم مسألة نقطة الانطلاق، لكنه لا يحسم وحده مسألة تركيبة الأغلبية.

البعد التاريخي: الحكومة المغربية بوصفها نتاجاً للتفاوض

هذه القاعدة الدستورية الجديدة يجب وضعها ضمن تطور تاريخي أطول.

قبل دستور 2011، لم تكن قاعدة تعيين الوزير الأول من الحزب المتصدر للانتخابات مصاغة بالطريقة نفسها. وشكلت حكومة عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998، المعروفة بـ«حكومة التناوب»، إحدى أهم محطات تطور التعددية الحكومية المغربية. وقد تولى اليوسفي رئاسة الحكومة في 14 مارس 1998، قبل أن تتعاقب حكومات إدريس جطو وعباس الفاسي ثم حكومات ما بعد دستور 2011.

ثم جاءت انتخابات 2011 لتؤسس مرحلة جديدة. فبعد تصدر العدالة والتنمية بـ107 مقاعد، عُين عبد الإله بنكيران رئيساً للحكومة، وشكل ائتلافاً مع الاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية. وبعد انسحاب الاستقلال سنة 2013، دخل التجمع الوطني للأحرار إلى الحكومة، فتغيرت تركيبة الائتلاف دون تغيير رئيس الحكومة.

أما انتخابات 2016 فأظهرت أن تصدر الحزب للانتخابات لا يعني سهولة تشكيل الحكومة؛ فقد فاز العدالة والتنمية بـ125 مقعداً، لكن مفاوضات تشكيل الأغلبية استمرت أشهراً، وانتهت إلى تعيين سعد الدين العثماني خلفاً لبنكيران وتشكيل ائتلاف حكومي جديد سنة 2017.

ثم جاءت انتخابات 2021 لتفرز حكومة يقودها التجمع الوطني للأحرار، بعدما حصل على 102 مقعداً، وتحالف مع الأصالة والمعاصرة والاستقلال. وقد صوت مجلس النواب في أكتوبر 2021 لصالح البرنامج الحكومي بـ213 صوتاً، وهو ما يوضح عملياً كيف تتحول نتائج الانتخابات إلى أغلبية حكومية عبر التحالف.

ومن ثم، فإن تاريخ تشكيل الحكومات المغربية منذ 1998 يقدم درساً أساسياً: الحكومة المغربية ليست نتاجاً آلياً للنتيجة الانتخابية، بل هي حصيلة تفاعل بين الترتيب الانتخابي، والقواعد الدستورية، والتفاوض الحزبي، وموقع المؤسسة الملكية داخل النظام السياسي.

المحور الرابع: سيناريوهات تشكيل حكومة 2026 — من إعادة إنتاج التحالف إلى إعادة تركيب الأغلبية

استناداً إلى النتائج المؤقتة المتاحة وإلى القواعد الدستورية، يمكن تصور عدة سيناريوهات، مع التأكيد أن هذه ليست تنبؤات بنتيجة المفاوضات، وإنما مسارات حسابية وسياسية ممكنة.

السيناريو الأول: استمرار تحالف الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال

يُعد هذا المسار الأكثر وضوحاً من الناحية الحسابية، لأن الأحزاب الثلاثة حصلت مجتمعة على:

97 + 66 + 65 = 228 مقعداً.

أي أكثر من الأغلبية المطلقة المطلوبة لتنصيب الحكومة بـ30 مقعداً.

وتكمن أهمية هذا السيناريو في أنه لا يحتاج إلى انتقال جذري من حيث الهندسة السياسية؛ فالأحزاب الثلاثة سبق أن شاركت في الحكومة نفسها خلال الولاية السابقة، وبالتالي توجد بينها خبرة مشتركة في إدارة العمل الحكومي.

غير أن المعادلة الجديدة تختلف جذرياً عن 2021. ففي الحكومة السابقة كان التجمع الوطني للأحرار هو الحزب الأكبر، بينما سيكون الأصالة والمعاصرة في انتخابات 2026 هو الحزب المتصدر. وهذا يفتح سؤالاً مهماً حول إعادة توزيع مراكز القرار والحقائب الوزارية.

كما أن الاستقلال، بـ65 مقعداً، سيكون رقماً مهماً في معادلة الأغلبية، إذ يستطيع أن يتحول من مجرد شريك إلى أحد مفاتيح التوازن داخل الحكومة.

سياسياً، سيعني هذا السيناريو استمراراً بدرجة كبيرة لمنطق الائتلاف الذي حكم بين 2021 و2026، مع تغيير مركز القيادة الحزبية داخله.

السيناريو الثاني: حكومة موسعة تضم أحد أحزاب المعارضة

يمكن تصور حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة وتضم الأحرار والاستقلال، مع إضافة حزب من خارج الائتلاف السابق، مثل الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية أو الحركة الشعبية.

الحساب العددي هنا ليس ضرورياً لتأمين الأغلبية، لأن تحالف الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال يتجاوز بالفعل عتبة 198 مقعداً.

لذلك فإن إضافة حزب رابع لن تكون مسألة «حاجة عددية»، وإنما يمكن أن تكون خياراً سياسياً لإنتاج حكومة أوسع قاعدة.

وهنا يمكن استدعاء منطق تاريخي معروف في التجربة المغربية: فقد سبق أن شاركت أحزاب ذات مرجعيات سياسية مختلفة في حكومات واحدة، كما حدث في حكومة بنكيران الأولى التي جمعت العدالة والتنمية والاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية.

غير أن هذا السيناريو يطرح مشكلة توزيع المسؤوليات الحكومية، إذ إن توسيع الائتلاف لا يعني بالضرورة توسيع الانسجام السياسي.

السيناريو الثالث: إعادة تشكيل الأغلبية خارج التجمع الوطني للأحرار

رياضياً، يمكن بناء أغلبية من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وغيرها.

فمثلاً: 97 + 65 + 54 + 29 = 245 مقعداً.

لكن هذه المعادلة تكشف مباشرة أن القدرة العددية لا تكفي لصناعة ائتلاف سياسي قابل للحياة.

فالعدالة والتنمية يمثل عودة لقوة كانت خارج الحكومة خلال الولاية السابقة، بينما يمثل الأصالة والمعاصرة أحد أعمدة الحكومة المنتهية ولايتها. ولذلك سيكون الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع الشراكة الحكومية مسألة تحتاج إلى توافقات سياسية وبرنامجية، وليس مجرد جمع المقاعد.

ومن منظور تاريخ الفكر السياسي، يمكن هنا استحضار مفهوم الائتلاف المصلحي في الأنظمة البرلمانية: الأحزاب لا تدخل الحكومة فقط بسبب قربها الإيديولوجي، وإنما بناءً على قدرتها على الاتفاق حول برنامج حكومي وتقاسم المسؤوليات.

السيناريو الرابع: حكومة أقلية مدعومة من الخارج

هناك أيضاً احتمال نظري يتمثل في تشكيل حكومة من عدد محدود من الأحزاب ثم البحث عن دعم برلماني خارجي لبعض القوانين.

لكن هذا السيناريو يصطدم بخصوصية الفصل 88، لأن الحكومة مطالبة منذ البداية بالحصول على ثقة الأغلبية المطلقة لمجلس النواب لصالح برنامجها الحكومي.

وبالتالي، فإن حكومة أقلية بالمعنى البرلماني الكلاسيكي تصبح أكثر تعقيداً في لحظة التنصيب نفسها، ما يجعل الاتفاق المسبق على كتلة من 198 نائباً أو أكثر عاملاً أساسياً.

خريطة التوازنات الجديدة

يمكن تلخيص المشهد البرلماني المؤقت على النحو الآتي:

الحزب       مقاعد 2026       مقاعد 2021       التحول

الأصالة والمعاصرة       97    87    +10

التجمع الوطني للأحرار  66    102  -36

الاستقلال    65    81    -16

العدالة والتنمية     54    13    +41

الحركة الشعبية     29    28    +1

الاتحاد الاشتراكي 26    34    -8

التقدم والاشتراكية  19    22    -3

الاتحاد الدستوري  17    18    -1

وهذا الجدول يوضح أن أهم تحول ليس فقط صعود حزب الأصالة والمعاصرة، وإنما انهيار الفارق الذي كان يفصل التجمع الوطني للأحرار عن أقرب منافسيه، بالتزامن مع عودة العدالة والتنمية إلى قلب المنافسة البرلمانية.

قراءة في ضوء تاريخ الفكر السياسي

تسمح انتخابات 2026 بإعادة طرح سؤال كلاسيكي في الفكر السياسي: هل الحكومة تعكس إرادة الناخبين مباشرة، أم أنها نتاج لتوازن القوى بين المؤسسات والأحزاب؟

من منظور الفكر البرلماني، لا تكفي الانتخابات لإنتاج حكومة؛ فالانتخابات تنتج مجلساً، والمجلس ينتج بدوره أغلبية سياسية قادرة على منح الثقة للحكومة.

وهذا يقترب من منطق جون لوك في العلاقة بين التمثيل والسلطة، ومن تصورات مونتسكيو حول توزيع الوظائف السياسية، ومن الفكر البرلماني الحديث الذي ينظر إلى الحكومة باعتبارها نتاجاً للتفاعل بين الهيئة التشريعية والتنفيذية.

لكن الحالة المغربية لا يمكن اختزالها في نموذج برلماني كلاسيكي. فدستور 2011 حافظ على موقع مركزي للمؤسسة الملكية، وفي الوقت نفسه عزز مكانة رئيس الحكومة والحكومة والبرلمان. وينص الفصل 42 على أن الملك هو رئيس الدولة وضامن دوامها واستمرارها وحسن سير المؤسسات الدستورية، بينما يحدد الفصل 47 آلية تعيين رئيس الحكومة، ويمنح الفصل 88 مجلس النواب دوراً حاسماً في تنصيب الحكومة.

وبذلك يمكن وصف النظام المغربي بأنه نظام ملكية دستورية ذات خصائص مؤسساتية خاصة، حيث تتداخل الشرعية الانتخابية مع الشرعية الدستورية وموقع المؤسسة الملكية.

وتظهر هذه الخصوصية بوضوح في تاريخ الحكومات: فمن حكومة التناوب بقيادة عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998، إلى حكومات العدالة والتنمية بين 2012 و2021، ثم حكومة التجمع الوطني للأحرار منذ 2021، لم يكن تشكيل الحكومة مجرد انعكاس ميكانيكي للنتائج الانتخابية، بل كان دائماً عملية تفاوضية ومؤسساتية مركبة.

خاتمة

تقدم انتخابات 23 شتنبر 2026 صورة عن إعادة ترتيب أكثر منها قطيعة في النظام الحزبي المغربي. فقد انتقل حزب الأصالة والمعاصرة من المرتبة الثانية سنة 2021 إلى المرتبة الأولى سنة 2026، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66 مقعداً، وحافظ الاستقلال على موقعه باعتباره قوة أساسية، في الوقت الذي استعاد فيه العدالة والتنمية جزءاً مهماً من حضوره البرلماني.

والأهم أن الانتخابات لم تنتج أغلبية حزبية منفردة؛ فـ97 مقعداً التي حصل عليها الأصالة والمعاصرة لا تكفي وحدها لتشكيل الحكومة. لذلك فإن المعركة السياسية التالية للانتخابات ستكون معركة تشكيل الأغلبية وليس معركة تحديد الحزب المتصدر، لأن الفصل 47 يحسم مبدئياً نقطة الانطلاق، بينما يحسم الفصل 88 شرط التنصيب البرلماني.

ومن هذه الزاوية، فإن سيناريو إعادة تركيب التحالف الثلاثي بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال يملك أساساً عددياً واضحاً، إذ يوفر 228 مقعداً، لكن الحساب العددي لا يحسم وحده شكل الحكومة، لأن المفاوضات ستتعلق كذلك بتوزيع المسؤوليات، والبرنامج الحكومي، وموازين القوة داخل الأغلبية.

أما إدماج أحزاب المعارضة، فيمكن أن يوسع القاعدة السياسية للحكومة، لكنه سيجعل عملية صياغة البرنامج الحكومي وتقاسم الحقائب أكثر تعقيداً. كما أن تشكيل أغلبية تستبعد التجمع الوطني للأحرار ممكن حسابياً، لكنه يتطلب تفاهمات سياسية جديدة بين قوى ذات تجارب ومواقع مختلفة.

وبالتالي، فإن «حكومة المونديال»، أياً كانت تركيبتها النهائية، ستجد نفسها أمام معادلة مركبة: أغلبية برلمانية مستقرة، برنامج اجتماعي قادر على الاستجابة لمطالب الناخبين، استمرار الأوراش الاقتصادية والاستثمارية الكبرى، والاستعداد للاستحقاقات المرتبطة بكأس العالم 2030.

وتشير الخبرة المغربية منذ 1998، وبصورة أوضح منذ دستور 2011، إلى أن تشكيل الحكومات لا تحكمه قاعدة انتخابية واحدة، بل يتأسس على ثلاثة مستويات مترابطة: النتيجة الانتخابية، والقاعدة الدستورية، والتفاوض السياسي بين الأحزاب. ومن ثم، فإن انتخابات 2026 لا ينبغي قراءتها باعتبارها نهاية عملية سياسية، بل باعتبارها بداية مرحلة ثانية ستحدد فيها مفاوضات الأغلبية شكل السلطة التنفيذية للسنوات المقبلة.

وفي هذا المعنى، فإن السؤال المركزي الذي تطرحه انتخابات 2026 ليس فقط: من تصدر الانتخابات؟ وإنما: كيف ستتحول صدارة الأصالة والمعاصرة من تفوق عددي إلى صيغة حكومية قادرة على إنتاج أغلبية برلمانية وبرنامج سياسي يستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية التي دخلها المغرب؟

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...