Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين يصبح الرصيد الشخصي سؤالا في رئاسة الحكومة

في السياسة، ليست كل نتيجة انتخابية مجرد حاصل جمع للأصوات والمقاعد.

أحيانا تكون الانتخابات مرآة لتحولات أعمق داخل المجتمع، وأحيانا تكشف أن الناخب لم يعد يصوت فقط للحزب وبرنامجه، وإنما للشخص الذي يعتقد أنه قادر على حمل مرحلة بأكملها.

ومن هنا، فإن اختزال تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية في رقم المقاعد وحده قد يكون قراءة صحيحة من الناحية الحسابية، لكنها لا تستنفد بالضرورة المعنى السياسي للنتيجة. لأن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بكل هدوء، هو:

هل فاز “البام” فقط، أم أن جزءا من هذا الفوز كان أيضا انتصارا لرصيد فوزي لقجع الشخصي؟

لا أطرح السؤال باعتباره حقيقة انتخابية نهائية، وإنما باعتباره مدخلا ضروريا لفهم ما جرى.

حين دخل لقجع إلى المعترك الحزبي، لم يكن اسما سياسيا مجهولا يبحث عن تعريف نفسه أمام الناخبين.

كان قد جاء من مسار طويل داخل مؤسسات الدولة والرياضة والمالية العمومية، ومن تجربة جعلت اسمه مرتبطا، في الوعي العام، بعدد من الأوراش والإنجازات الكبرى.

وحين يصبح الشخص جزءا من ذاكرة المجتمع قبل أن يصبح جزءا من ذاكرة الحزب، فإن دخوله الانتخابات لا يكون دخول مرشح عادي. يدخل ومعه رأسمال رمزي جاهز.

وهذا الرأسمال لم يصنعه خطاب انتخابي عابر. صنعته سنوات من الحضور في ملفات الدولة، ومن موقعه في تدبير المالية العمومية، ومن قيادته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ومن حضوره في التحضيرات المرتبطة بأوراش كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.

بل إن لقجع نفسه تحدث، في فبراير الماضي، عن انخراط المشاريع الرياضية في رؤية تنموية شاملة يقودها الملك، وعن التوازن بين البعد الاجتماعي والنهضة الاقتصادية.

وهنا تبدأ المسألة التي تهمني أكثر من سؤال: هل كان لقجع شعبيا أم لا؟ السؤال هو:

ماذا يفعل سياسي يدخل الانتخابات وهو يحمل في رصيده تجربة تنفيذية ومؤسساتية سابقة، وليس مجرد وعود مستقبلية؟ لأن السياسة المغربية عانت طويلا من مفارقة يعرفها الجميع.

حين تكون في المعارضة، تستطيع أن تقول الكثير.

وحين تصل إلى الحكومة، تبدأ الأسئلة الحقيقية.

أين التمويل؟ أين الإدارة؟ أين آليات التنفيذ؟ أين التنسيق بين القطاعات؟ أين القدرة على تحويل القرار السياسي إلى مشروع، والمشروع إلى ورش، والورش إلى نتيجة يلمسها المواطن؟

وهنا تحديدا تصبح تجربة لقجع مختلفة في طبيعتها.

فالرجل لم يخض حملته الانتخابية بمنطق: “سأفعل كل شيء”. بل دخل إلى عدد من الملفات بأرقام وإجراءات محددة. من الداخلة، أعلن دعم رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، وربط ذلك بضرورة تغيير مسار العمل الحكومي، كما تحدث عن القدرة الشرائية والتشغيل وجعل الشباب قوة صانعة للقيمة المضافة.

وفي بركان، قدم الحزب، على لسانه، تصورا اجتماعيا يتضمن رفع الدعم الموجه للأسر من 500 إلى 1000 درهم، وضمان حد أدنى لمعاشات المتقاعدين في حدود 3000 درهم، إلى جانب ملفات الشباب والتعليم والصحة. وفي القنيطرة، تحدث عن إعادة تنظيم مسالك توزيع المواد الاستهلاكية، وربط المنتج بالمستهلك، وتقليص عدد الوسطاء، وتوسيع الدعم الاجتماعي، ومراجعة ضريبة الدخل، ورفع المعاشات.

وحين نضع هذه العناصر كلها إلى جانب بعضها، يصبح من الصعب اختزال الرجل في صورة “المسؤول الرياضي الذي دخل السياسة”. فالحملة الانتخابية نفسها قدمت لنا لقجع آخر. لقجع الذي يتحدث عن الأجور. وعن الدعم. وعن المتقاعدين. وعن الشباب. وعن التشغيل. وعن القدرة الشرائية. وعن الضرائب. وعن اختلالات التوزيع. وعن تمويل السياسات العمومية. أي أننا أمام سياسي يحاول الانتقال من لغة الإنجاز في قطاع محدد إلى لغة المشروع الحكومي الشامل.

وهنا بالضبط تصبح رئاسة الحكومة سؤالا سياسيا حقيقيا، لا مجرد مكافأة انتخابية. لأن ما يهمني في لقجع ليس أنه نجح في كرة القدم. ما يهمني هو شيء آخر تماما: هل يستطيع الرجل أن يفعل في الدولة ما فعله في الملفات التي تولى تدبيرها؟ وهذا سؤال مختلف.

حين يكون المغرب أمام أوراش ملكية كبرى، من الحماية الاجتماعية إلى إصلاح الدولة الاجتماعية، ومن التنمية الترابية إلى البنيات التحتية، ومن الاستثمار إلى التشغيل، ومن الاستعداد لكأس العالم إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها، فإن المشكلة لم تعد في إنتاج الأفكار الكبرى.

المغرب يمتلك أفكارا كبرى منذ سنوات. والمشكلة ليست دائما في غياب الرؤية. المشكلة في القدرة على التنزيل. وهنا أعتقد أن تجربة لقجع تستحق أن توضع تحت المجهر.

فالرجل اشتغل داخل منظومة الدولة، واحتك بمؤسساتها، وعرف كيف تتحول القرارات إلى اعتمادات مالية، وكيف تتحول الاعتمادات إلى مشاريع، وكيف يحتاج المشروع إلى تنسيق، وكيف يحتاج التنسيق إلى قيادة ومتابعة ومحاسبة. وهذه ليست تفاصيل تقنية. هذه هي جوهر الحكومة.

حين تتحدث عن ورش ملكي، فإن السؤال لا يكون فقط: هل نؤمن به؟ بل: من يستطيع أن ينزله؟

وحين تصدر التعليمات والتوجيهات، فإن السؤال التالي يصبح: من يحولها إلى سياسات عمومية؟

وحين ترصد المليارات، فإن السؤال الأكثر قسوة هو: أين وصلت إلى المواطن؟

وحين تتراكم المشاريع، يصبح النجاح الحقيقي ليس في الإعلان عنها، وإنما في إنجازها في الوقت المحدد وبالكلفة والنتائج المطلوبة.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة المحتملة في تجربة لقجع: معرفته من الداخل بآليات الدولة والتنفيذ والتمويل والتنسيق.

لكن هذه النقطة نفسها يجب ألا تتحول إلى شيك على بياض.

فالحكومة ليست جامعة لكرة القدم. والدولة ليست فريقا يخضع لمدرب واحد. والمجتمع ليس جمهورا ينتظر صافرة النهاية.

الحكومة ائتلاف سياسي، والبرلمان مؤسسة رقابية وتشريعية، والنقابات والمجتمع المدني والفاعلون الاقتصاديون شركاء ومصالح متعارضة أحيانا، والقرارات الحكومية لها كلفة اجتماعية وسياسية لا يمكن اختزالها في منطق النجاعة التقنية. لذلك فإن السؤال ليس: هل يستطيع لقجع؟ بل: هل يستطيع أن ينقل منطقه التنفيذي من المجال الذي راكم فيه خبرته إلى المجال الأكثر تعقيدا: المجال الحكومي؟

هذا هو الامتحان. وهنا أيضا تصبح الحملة الانتخابية مهمة. لأن لقجع لم يقل للناخبين فقط: “ثقوا بي لأنني نجحت سابقا”. بل دخل في نقاش حول ملفات ملموسة.

وحين تحدث عن 5000 درهم للسميك، لم يتحدث عن شعار غائم، وإنما عن رقم محدد.

وحين تحدث عن الدعم الاجتماعي، دخل إلى المؤشرات والأرقام.

وحين تحدث عن المتقاعدين، قدم رقما.

وحين تحدث عن الشباب، لم يضعهم فقط في خانة “المستقبل”، بل تحدث عن تحويلهم إلى قوة صانعة للقيمة.

وحين تحدث عن القدرة الشرائية، حاول الذهاب إلى بنية التوزيع والوسطاء، لا الاكتفاء بالحديث عن الأسعار.

وهذا في حد ذاته تحول في الخطاب. قد يختلف المرء مع هذه المقترحات. وقد يسأل عن كلفتها المالية. وقد يطالب بضمانات تمويلها. وقد يشكك في قدرة الحكومة المقبلة على تنفيذها.

وهذه كلها أسئلة مشروعة. لكنها لا تلغي حقيقة أن الحملة الانتخابية قدمت مضمونا سياسيا وبرنامجيا، وليس مجرد صورة شخصية.

ومن هنا أختلف مع القراءة التي تختزل حضور لقجع في كونه “مؤثرا انتخابيا” جرى استعماله لرفع رصيد حزب. هذه القراءة، في رأيي، لا ترى إلا نصف الصورة. لأن المؤثر قد يمنحك الانتباه. أما السياسي الذي يدخل إلى الانتخابات ومعه تجربة تنفيذية ورؤية وأرقام وملفات، فإنه يضع نفسه أمام امتحان مختلف: امتحان القدرة على الوفاء.

وهذا هو الفرق بين الرصيد والشيك. الرصيد يمنحك الثقة الأولى. لكن الحكم عليك يبدأ بعد ذلك.

حين يصبح الرجل في موقع القرار، لن تسأله الجماهير عن نصف نهائي مونديال قطر. ستسأله عن الشغل. عن الأسعار. عن الصحة. عن التعليم.

عن الدعم. عن معاشات المتقاعدين. عن العدالة المجالية. عن الاستثمار. عن الزمن الإداري. عن جودة الخدمات. وعن المشاريع التي قيل إنها ستغير حياة المغاربة.

وهنا يمكن أن نفهم لماذا يصبح اسم لقجع في النقاش حول رئاسة الحكومة أكثر من مجرد اسم حزبي. لأنه يجسد، في هذه اللحظة، سؤالا أكبر من شخصه:

هل نحتاج في المرحلة المقبلة إلى سياسي يجيد الخطاب، أم إلى رجل دولة يجيد التنزيل؟

والحقيقة أن المغرب لا يحتاج إلى الاختيار بين الأمرين. يحتاج إلى الاثنين معا.

لكن إذا كانت المرحلة المقبلة هي مرحلة تسريع الأوراش الكبرى، وتنزيل الإصلاحات، وتحويل الرؤية إلى نتائج، فإن معيار القدرة على التنفيذ سيصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وهنا يمكن فهم الحجة التي ترى في لقجع اسما مناسبا لهذا النوع من المراحل. ليس لأنه فاز في كرة القدم. وليس لأن كرة القدم تمنح صاحبها تلقائيا أهلية سياسية. ولكن لأن مساره داخل مؤسسات الدولة، وتجربته في الملفات المالية، وحضوره في أوراش كبرى، وتجربته في تدبير مشروع رياضي أصبح جزءا من صورة المغرب الخارجية، كلها توفر مادة واقعية للنقاش حول قدرته على إدارة مرحلة تنفيذية معقدة.

حين تكون أمام مشروع ملكي، لا يكفي أن تكون مؤمنا بالمشروع؛ يجب أن تعرف كيف تنزله.

وحين تكون أمام دولة اجتماعية، لا يكفي أن تعلن دعمها؛ يجب أن تعرف كيف تمولها وتستهدفها وتقيس أثرها.

وحين تتحدث عن الشباب، لا يكفي أن تقول إنهم المستقبل؛ يجب أن تخلق لهم شروط أن يصبحوا قوة اقتصادية منتجة.

وحين تعد برفع الأجور، لا يكفي إعلان الرقم؛ يجب أن تجيب عن سؤال الكلفة والتمويل والتوازنات الاقتصادية.

وحين تعد برفع الدعم، لا يكفي أن ترفع الرقم؛ يجب أن تضمن أن الأسعار لا تبتلع الزيادة من الباب الآخر.

وحين تريد أن تبني مغربا صاعدا، فإن أصعب سؤال ليس ماذا سنبني، وإنما من يستطيع أن يبنيه؟

من هنا، يمكن فهم النقاش حول رئاسة الحكومة من زاوية مختلفة. ليس باعتبارها جائزة لمن تصدر الانتخابات، ولا باعتبارها مكافأة لشخصية ناجحة في مجال آخر. بل باعتبارها سؤالا في اختيار النموذج التنفيذي القادر على تحويل المرحلة المقبلة من مرحلة إعلان الأوراش إلى مرحلة تسريع إنجازها. والقرار، في النهاية، ليس قرار المقالات ولا الأمنيات. هو قرار المؤسسات، وقرار الاختيار الدستوري والسياسي الذي يترتب عن نتائج الانتخابات.

لكن مهمة الصحافة ليست أن تصمت أمام هذا السؤال. مهمتها أن تطرحه بصوت واضح وبعيدا عن الحسابات الصغيرة. لأن ما جرى في هذه الانتخابات قد يكون أهم من أن يقرأ فقط بمنطق: هذا الحزب ربح، وهذا الحزب خسر. لقد كشفت الانتخابات شيئا آخر: أن الرصيد الشخصي أصبح جزءا من الرصيد السياسي، وأن المجتمع يريد أن يعرف ليس فقط من سيحكم، وإنما من يستطيع أن ينجز.

وربما لهذا السبب تحديدا، فإن فوزي لقجع لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره أحد مفاتيح فوز حزب الأصالة والمعاصرة، بل باعتباره اختبارا لفكرة كاملة عن السياسة المغربية المقبلة: هل تستطيع شخصية راكمت حضورها داخل الدولة والمجتمع أن تنتقل من منطق تدبير الأوراش إلى منطق قيادة الحكومة؟

ذلك هو السؤال الحقيقي، وهو أكبر بكثير من كرة القدم، وأكبر أيضا من حزب الأصالة والمعاصرة.

إنه سؤال المرحلة نفسها.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...