Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين تتحول الدولة من حام للحياة إلى شاهد صامت على الموت

فاس تدفن تحت الركام وآسفي تغرق في الصمت.

من يقتل المغاربة باسم التدبير؟

“الدولة التي لا تحمي حياة مواطنيها تفقد مبرر وجودها”.

— توماس هوبز

ما حدث في فاس وآسفي خلال أسبوع واحد ليس مأساة طبيعية، ولا “ابتلاء” عابرا، ولا حتى فشلا تقنيا معزولا. ما حدث هو سقوط مدو لوظيفة الدولة الأساسية: حماية الحق في الحياة.

اثنان وخمسون ساعة تقريبا كانت كافية ليقتل 59 مغربيا تحت أنقاض الإسمنت وفي مجاري المياه، داخل مدن تخضع لإدارة جماعات ترابية، ومجالس منتخبة، وسلطات وصاية، وشركات مفوض لها التدبير، ودستور ينص صراحة على الحق في السلامة والعيش الكريم.

في فاس، تتحمل الجماعة الترابية، والسلطات المحلية، ومصالح التعمير مسؤولية مباشرة. العمارات التي انهارت لم تكن مجهولة الخطر. كانت مصنفة، موثقة، ومشمولة بقرارات إدارية بالهدم أو الإفراغ. السؤال لم يعد: لماذا انهارت؟

بل: لماذا لم تنفذ القرارات؟ من عطلها؟ من وقع على التأجيل؟ ومن غض الطرف؟

22 شخصا قتلوا لأن الإدارة اختارت الانتظار. والانتظار، حين يتعلق بالأرواح، جريمة.

وفي آسفي، تتوزع المسؤولية بين المجلس الجماعي، وسلطة الوصاية، والشركة المفوض لها تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل. فشبكات الصرف لم تعجز فجأة، بل كانت عاجزة منذ سنوات. أحياء كاملة تركت خارج برامج التأهيل، خارج الصيانة، وخارج الاهتمام، إلى أن جاء المطر — وهو حق طبيعي لا جريمة فيه — ليكشف العري الكامل لمنظومة التدبير.

سبعة وثلاثون قتيلا حتى الآن، ليسوا ضحايا “سيول مفاجئة”، بل ضحايا تدبير مفوض بلا مراقبة، وانتداب بلا محاسبة، ومجالس بلا شجاعة سياسية.

ينص الفصل 20 من الدستور المغربي بوضوح على أن “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان”. ويشدد هذا الفصل على المساواة والعدل بين جميع المواطنين ويضع الأساس لضمان كرامتهم وحقوقهم الأساسية. 

لكن أي قيمة دستورية لهذا النص، إذا كانت العمارات المصنفة خطرة لا تهدم، وشبكات التطهير لا تصلح، والتحذيرات لا تسمع، إلا بعد أن تحصى الجثث؟

قال الفيلسوف الألماني ماكس فيبر إن الدولة تحتكر “العنف المشروع”. لكن ما نراه اليوم هو شكل أخطر: العنف غير المباشر، العنف الذي يمارس عبر الإهمال، عبر الميزانيات المؤجلة، عبر الصمت الإداري، وعبر بلاغات رسمية باردة لا تذكر كلمة “مسؤول”.

يقول المؤرخ البريطاني إدوارد غيبون: “الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تتآكل من الداخل”. والمدن لا تموت بضربة واحدة، بل تموت حين يصبح الإهمال سياسة، واللامبالاة ثقافة، والتبرير خطابا رسميا. كل بلاغ يتحدث عن “تقلبات مناخية” أو “قدر” دون ذكر التقصير، هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة.

الأخطر من الكارثة، هو محاولة تطبيعها. أن تختزل فاس وآسفي في أخبار عاجلة، وصور، وتعازي، ثم يغلق الملف. كما حذر برتولت بريشت:

“حين يصبح الظلم أمرا عاديا، يصبح الصمت خيانة”.

هذه ليست قضية محلية، بل قضية حقوق إنسان. في أي دولة تحترم التزاماتها الدولية، كان سقوط 59 قتيلا بسبب فشل البنية التحتية كافيا لإقالة مسؤولين، وفتح تحقيقات مستقلة، وتعليق عقود تفويض، وربط مباشر بين القرار السياسي والنتيجة الميدانية.

إن المدن لا تموت وحدها. كما كتب إدوارد سعيد: “السلطة لا تخطئ فقط، بل تقنع الناس أن الخطأ قدر”.

وفاس وآسفي تكشفان اليوم أن الخطر الأكبر ليس في المطر ولا في الإسمنت، بل في منظومة لا تحاسب، ولا تستبق، ولا تعترف إلا بعد فوات الأوان.

اليوم، لا يحتاج المغاربة إلى لجان ظرفية ولا بلاغات باردة. يحتاجون إلى مساءلة حقيقية، وإلى ربط واضح بين القرار والنتيجة، بين المسؤولية والمحاسبة، وبين الإهمال والعقاب. يحتاجون إلى جواب بسيط عن سؤال معقد: من المسؤول عن موت 59 شخصا في أسبوع واحد داخل مدن يفترض أنها “مؤهلة” و”مهيكلة”؟

إن ما وقع في فاس وآسفي ليس حادثا عابرا ولا كارثة طبيعية، بل جرس إنذار مدو وفشل سياسي وأخلاقي. فإذا كانت المدن تقتل سكانها بصمت، فإن الخطر لم يعد في السماء ولا في البنايات، بل في منظومة تدبير فقدت الحس الإنساني قبل أن تفقد الكفاءة. وما لم تفتح ملفات المسؤولية إلى نهايتها، فإن عداد المآسي سيواصل الدوران… إلى أن يصبح الموت خبرا عاديا في نشراتنا اليومية. وكما كتب ألبير كامو: “الطاعون لا يأتي وحده، بل يجد دائما من يمهد له الطريق”. والطريق ممهد منذ سنوات

إذا لم تسم المسؤوليات بأسمائها، وإذا لم يفعل الدستور كأداة حماية لا كشعار، وإذا لم تفهم المدينة كحق جماعي لا كملف تقني، فإن السؤال لم يعد: هل ستتكرر المأساة؟

بل: أين؟ ومتى؟ وكم سيكون العدد القادم؟


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...