Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

من ملاعب الكرة إلى محاكم الهوية… حين يدفع المغربي ثمن الانتصار مرتين

“ليس التعصب أن تحب وطنك، بل أن تكره أوطان الآخرين.”

شارل ديغول

هناك لحظات يظن الناس أنها تنتمي إلى عالم الرياضة، بينما هي في حقيقتها تنتمي إلى التاريخ.

صافرة حكم تعلن نهاية مباراة، كرة تعانق الشباك، مدرج يفرح وآخر يصمت… ثم تبدأ قصة أخرى، لا يرويها المعلق الرياضي، بل يكتبها علم الاجتماع، ويحتفظ بها التاريخ في أرشيفه الطويل.

ما تعرض له عدد من المغاربة المقيمين في هولندا عقب انتصار المنتخب المغربي على نظيره الهولندي لم يكن مجرد انفعال جماهيري عابر، بل كان نافذة أطل منها سؤال قديم قدم البشرية نفسها: لماذا يتحول المختلف، في لحظات الإحباط الجماعي، إلى أول المتهمين؟

إن التاريخ، كما قال الفيلسوف هيغل، لا يعلمنا كيف نتنبأ بالمستقبل، لكنه يعلمنا كيف نفهم الإنسان. والإنسان، منذ آلاف السنين، حين يعجز عن تفسير هزيمته، يبحث عن وجه يحمل إليه أسبابها. ذات يوم، كانت الأقليات الدينية. وفي زمن آخر، كان الأجانب. وفي أزمنة كثيرة، كان المهاجرون.

أما اليوم، فقد يكون مشجعا رفع علم بلده بعد مباراة لكرة القدم.

كتب المفكر الفرنسي رينيه جيرار أن المجتمعات، عندما تتعرض للتوتر، تبحث دائما عن “كبش فداء” تفرغ فيه خوفها وغضبها. ولعل هذه الفكرة تفسر كثيرا مما جرى.

فالكرة لم تكن سوى المناسبة. أما الأزمة، فكانت كامنة تحت السطح. إذ كيف يمكن لمواطن أو مقيم ظل لعقود يعمل، ويدفع الضرائب، ويحترم القانون، ويشارك في بناء اقتصاد البلد الذي يعيش فيه، أن يصبح فجأة موضع ريبة لأنه ابتسم لفوز منتخب بلده الأصلي؟ أي عدالة هذه؟

وأي مفهوم للمواطنة يسمح بأن تتحول نتيجة مباراة إلى معيار للولاء؟

لقد وصل المغاربة إلى هولندا قبل أكثر من نصف قرن. جاؤوا بأيدي العمال، ثم أصبحوا أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وقضاة ورجال أعمال ورياضيين وفنانين. ساهموا في بناء الطرق والموانئ والمصانع، ثم شاركوا في بناء المعرفة والثقافة والاقتصاد. إنهم جزء من الذاكرة الاجتماعية الهولندية، لا هامش فيها. ومع ذلك…

تكفي هزيمة رياضية حتى يشعر بعضهم بأن سنوات الاندماج كلها أصبحت محل سؤال. وهنا تكمن المأساة.

فالغربة ليست أن تعيش بعيدا عن وطنك. الغربة الحقيقية أن تشعر، بعد عشرات السنين، أنك ما زلت مطالبا بإثبات أنك تستحق المكان الذي تعيش فيه.

في سنة 1894، انفجرت قضية دريفوس في فرنسا، حين اتهم ضابط يهودي بالخيانة دون دليل حاسم، لأن المناخ العام كان يبحث عن متهم أكثر مما كان يبحث عن الحقيقة. وعندما كتب إميل زولا مقاله الشهير «إني أتهم»، لم يكن يدافع عن رجل واحد، بل عن فكرة العدالة نفسها. لقد فهم زولا مبكرا أن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الخطأ، وإنما تحويل الهوية إلى دليل إدانة. والتاريخ، للأسف، لا يكف عن إعادة هذا الدرس.

قالت حنة آرندت إن «الحق الأول للإنسان هو أن يكون له حق في الحقوق.» وهذا هو جوهر القضية.

ليس المطلوب امتيازا للمغاربة في الخارج. ولا معاملة استثنائية. بل حق بسيط جدا… أن يفرح الإنسان دون خوف. وأن يرفع علم وطنه دون أن يتحول إلى مشتبه فيه. وأن يحتفظ بذاكرته دون أن يطلب منه الاعتذار عنها.

كم هو غريب أن تتحدث أوروبا كثيرا عن التعددية، بينما تكشف بعض المواقف أن قبول الآخر يظل هشا كلما تعرضت المشاعر الجماعية للاهتزاز. لقد كتب ألبير كامو: “لا يوجد احتقار أعظم من احتقار الإنسان.”

ولذلك فإن الإساءة إلى مهاجر بسبب أصله لا تهزم ذلك المهاجر، وإنما تهزم القيم التي يدعي المجتمع الدفاع عنها. فالمنتخبات تخسر وتفوز. أما الكرامة، فلا ينبغي أن تكون جزءا من نتيجة المباراة.

إن المغاربة المقيمين في هولندا لم يهزموا أحدا. لم يدخلوا حربا. ولم ينتزعوا أرضا. كل ما فعلوه أنهم فرحوا بانتصار منتخب يمثل بلدهم الأم. أما الذين رأوا في ذلك سببا للاستفزاز أو الكراهية، فقد كشفوا أن المشكلة لم تكن في الكرة، بل في النظرة إلى الآخر. ولهذا، فإن القضية ليست قضية جمهور غاضب. إنها قضية ضمير.

لقد أثبتت الجالية المغربية، عبر عقود طويلة، أنها قادرة على الجمع بين الوفاء لجذورها واحترام قوانين البلد الذي تعيش فيه، وهذه الثنائية ليست تناقضا، بل هي ثراء إنساني وحضاري.

ولعل أكبر درس يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن الاندماج الحقيقي لا يختبر في أيام الهدوء، بل في لحظات التوتر.

أما الدولة التي تؤمن فعلا بالمواطنة، فهي التي تحمي جميع مواطنيها والمقيمين فيها من أي استهداف قائم على الأصل أو الهوية، مهما كانت الظروف، ومهما كانت نتيجة المباراة. ويبقى التاريخ يكرر حكمته القديمة:

“ليست الهزائم هي التي تكشف أخلاق الأمم، بل الطريقة التي تعامل بها المختلفين عنها بعد الهزيمة.”

أما المغاربة المقيمون في هولندا، فقد دفع كثير منهم ثمن الانتصار مرتين؛ مرة وهم يعيشون قلق الغربة، ومرة وهم يواجهون نظرات الشك والاستفزاز لأن منتخب وطنهم الأم كان أفضل فوق المستطيل الأخضر.

وذلك، في حد ذاته، خسارة أخلاقية أكبر من أي خسارة في كرة القدم.

يقول ابن خلدون في مقدمته إن «الظلم مؤذن بخراب العمران.» وليس الظلم دائما قرارا سياسيا. قد يكون كلمة. أو نظرة. أو سخرية. أو محاولة لجعل إنسان يشعر بأنه أقل استحقاقا للمكان الذي يعيش فيه. وهذا النوع من الظلم هو الأخطر، لأنه يتسلل إلى النفوس قبل أن يصل إلى القوانين. سيعود كأس العالم إلى خزائنه. وستنتهي البطولة. وسينسى الناس النتائج. لكن ما سيبقى في ذاكرة كثير من المغاربة المقيمين في هولندا هو ذلك السؤال المرير:

هل يكفي أن نفوز في مباراة حتى نخسر الشعور بالأمان؟

إن التاريخ سيظل يذكرنا بحقيقة واحدة: الأمم لا تقاس بعدد البطولات التي تحققها، ولا بعدد الكؤوس التي ترفعها. بل تقاس بقدرتها على حماية كرامة الإنسان… خصوصا عندما يكون ذلك الإنسان مختلفا عنها. وتلك، قبل أن تكون قاعدة في السياسة، هي أعظم انتصارات الحضارة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...