مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
“العدالة هي الفضيلة الكاملة.” – أرسطو
ليست أخطر فضائح القضاء تلك التي تكشف عن قاض ارتشى، أو حكم بيع، أو ملف تحول إلى سلعة في سوق النفوذ. الأخطر من ذلك كله، أن تتحول هذه الوقائع إلى يقين جماعي بأن العدالة نفسها أصبحت معروضة للبيع.
إن توقيف ثلاثة قضاة وإيداعهم رهن الاعتقال الاحتياطي على خلفية الاشتباه في التورط في السمسرة في الملفات القضائية والاتجار في الأحكام، ليس خبرا عاديا في سجل الأخبار القضائية، بل زلزال مؤسساتي يضرب في عمق الثقة التي تقوم عليها الدولة. فالقاضي ليس موظفا عاديا؛ إنه الشخص الذي يلجأ إليه المواطن حين تعجزه كل الأبواب، فإذا أصبح هو نفسه محل شبهة، فمن يبقى للمظلوم؟
لقد قال الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو: “لا حرية إذا لم تكن السلطة القضائية منفصلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.” لكن الاستقلال لا يعني الحصانة من المحاسبة، بل إن استقلال القضاء يكتمل فقط عندما يكون القاضي أول من يخضع للقانون.
وفي المقابل، قال الفقيه الإنجليزي ويليام بلاكستون: “من الأفضل أن يفلت عشرة مذنبين من العقاب على أن يدان بريء واحد.” غير أن السؤال المغربي اليوم أصبح أكثر إيلاما: ماذا لو كان من يقرر البراءة أو الإدانة نفسه موضع اتهام؟
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين المؤسسة ومن يسيء إليها. فالقضاء المغربي ليس ثلاثة قضاة، كما أن الطب ليس طبيبا مرتشياً، ولا الأمن رجل أمن منحرفا. تعميم الفساد على جميع القضاة ظلم لا يقل خطورة عن الفساد نفسه، لأن المؤسسات لا تقاس بالاستثناءات، وإنما بقدرتها على كشفها ومحاسبة مرتكبيها.
والحقيقة التي ينبغي التوقف عندها هي أن هذه القضية، رغم خطورتها، تحمل وجها آخر للدولة. فكون قضاة يحقق معهم ويودعون السجن الاحتياطي يعني أيضا أن آليات الرقابة لم تعد تتسامح مع من يسيء إلى السلطة القضائية، وأن شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد موجها إلى السياسيين والإداريين فقط، بل امتد إلى من يجلسون على منصة القضاء. لكن هذا لا يمنع من طرح الأسئلة المؤلمة.
كيف استطاعت هذه الممارسات، إن ثبتت، أن تستمر؟ وهل يتعلق الأمر بحالات فردية معزولة، أم أن هناك وسطاء وشبكات ومحيطا كاملا يعيش على بيع الأوهام للمتقاضين؟ وهل تكفي العقوبات الجنائية وحدها، أم أن المطلوب مراجعة أوسع لمنظومة الرقابة والتفتيش وأخلاقيات المهنة؟
لقد كتب الفيلسوف فرانسيس بيكون عبارته الشهيرة: “القاضي الفاسد أسوأ من المجرم؛ لأن المجرم يخرق القانون، أماالقاضي الفاسد فيفسد القانون نفسه.” وهي عبارة تختصر حجم الخطر عندما يصبح من يفترض فيه حماية العدالة سببا في اهتزازها.
إن أخطر ما يخلفه الفساد القضائي ليس ضياع حق في ملف معين، بل صناعة شعور عام لدى المواطن بأن العدالة لا تنال بالقانون، وإنما بالوساطة والمال والنفوذ. وعندما يصل المجتمع إلى هذه القناعة، فإن الدولة تخسر رأسمالها المعنوي الأكبر: الثقة.
ومع ذلك، فإن بناء الثقة لا يكون بإخفاء الفضائح، وإنما بمواجهتها. فالدول القوية ليست تلك التي لا تعرف الفساد، وإنما تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على اكتشافه، والتحقيق فيه، ومعاقبة مرتكبيه مهما كانت مواقعهم.
ويبقى المبدأ الدستوري والقانوني حاضرا بقوة: كل شخص يعد بريئا إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي. لذلك، فإن ما يجري اليوم هو اتهامات تخضع للتحقيق والقضاء، وليس أحكاما نهائية. أما إطلاق أحكام قطعية من قبيل أن “القضاء الجالس فاسد في المغرب” فهو تعميم لا تدعمه هذه القضية وحدها، ويخلط بين مسؤولية أفراد وهيبة مؤسسة تضم آلاف القضاة.
إن المغرب اليوم ليس في حاجة إلى جلد مؤسساته، ولا إلى تبرئتها مسبقا، بل إلى شيء واحد: أن تكون العدالة عادلة مع الجميع، وأن يظل القاضي، قبل أن يحاكم الناس، مستعدا لأن يحاكمه القانون إن أخطأ.
فهيبة القضاء لا يصنعها الصمت عن الفساد، بل تصنعها الشجاعة في اقتلاعه من جذوره. وإذا كانت العدالة هي آخر حصون الدولة، فإن تنظيف هذا الحصن ليس خيارا سياسيا، بل ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل.
