Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

كيف تتحول الشتيمة إلى خطاب رسمي؟ .. حين يسيء ممثل الأمة إلى المواطنين والديمقراطية

قال الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: “الشتيمة هي الحجة الأخيرة لمن أفلس من الأدلة.” ولعل هذه العبارة تختصر، في كلمات قليلة، واحدة من أخطر الظواهر التي بدأت تتسلل إلى الخطاب السياسي المغربي؛ حين يعجز بعض الفاعلين السياسيين عن مقارعة الأفكار بالأفكار، فيستبدلون الحجة بالإهانة، والبرهان بالتجريح، والنقاش بالتحقير.

فالسياسة، في جوهرها، ليست فن الانتصار على الخصوم، بل فن إقناع المواطنين. أما عندما تتحول الشتيمة إلى لغة رسمية للدفاع عن الحكومة أو الحزب، فإن الأزمة لا تعود أزمة خصومة سياسية، بل أزمة ثقافة ديمقراطية.

وما صدر عن البرلمانية ياسمين لمغور لا يمكن اختزاله في كونه ردا على الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، كما يحاول البعض تصويره، لأن المستهدف الحقيقي لم يكن بنكيران وحده، وإنما كل المواطنين الذين عبروا عن انتقادهم لسفر رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى إسبانيا في ظرف وطني بالغ الحساسية، تزامن مع أزمة محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية وما رافقها من نقاش واسع داخل المجتمع.

لقد اختارت البرلمانية أن تواجه موجة الانتقادات بلغة التحقير والتبخيس، وأن تصنف المخالفين في خانة العبث والمزايدة، بدل أن تناقش مضمون الأسئلة المطروحة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن الديمقراطية لا تقاس بقدرة السلطة على جمع المؤيدين، وإنما بقدرتها على احترام المعترضين.

ولم يكن آلاف المغاربة الذين كتبوا على مواقع التواصل الاجتماعي جميعهم أعضاء في حزب العدالة والتنمية، ولا خصوما سياسيين لرئيس الحكومة. بينهم أساتذة جامعيون، وصحافيون، ومحامون، وطلبة، وفاعلون جمعويون، ومواطنون عاديون طرحوا سؤالا سياسيا مشروعا: هل كان توقيت السفر مناسبا في ظل أزمة وطنية تستدعي حضورا سياسيا ورمزيا لرئيس الحكومة؟

إن هذا السؤال لا يحتاج إلى تخوين أصحابه ولا إلى السخرية منهم، بل إلى جواب سياسي مسؤول. فالاختلاف ليس جريمة، والنقد ليس خيانة، والرأي المخالف ليس تهديدا للدولة.

لقد قال فولتير: “قد أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد لأن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عنه.” وربما لم تعد الديمقراطيات الحديثة تحتاج إلى من يدفع حياته دفاعا عن الرأي، لكنها تحتاج، على الأقل، إلى مسؤولين يحترمون حق المواطنين في مساءلة السلطة دون أن يصبحوا هدفا للنعوت والإهانات.

أما في ما يتعلق بعبد الإله بنكيران، فمن حق أي سياسي أن ينتقده، بل وأن يفند مواقفه بكل قوة، لكن ليس من حق أحد أن يحول الخلاف السياسي إلى سب شخصي. فالبرلمان ليس فضاء لتصفية الحسابات، ولا مدرسة لتعليم ثقافة الشتم، بل مؤسسة دستورية يفترض أن ترتقي بالنقاش العمومي، لا أن تهبط به إلى مستويات لا تليق حتى ببعض سجالات مواقع التواصل الاجتماعي.

إن وصف الخصوم بأوصاف مهينة لا يعكس قوة الموقف، بل يكشف هشاشته. والسياسي الذي يمتلك الحجة لا يحتاج إلى التجريح، والذي يملك الأرقام لا يستعين بالإهانة، والذي يثق في مشروعه لا يخشى الرأي المخالف.

ولعل الأخطر في هذا الخطاب هو ذلك الخلط المتكرر بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والحزب، وبين انتقاد رئيس الحكومة واستهداف المغرب. فالدولة أكبر من الحكومة، والوطن أوسع من الحزب، واحترام المؤسسات يبدأ من احترام حق المواطنين في مساءلة من يدبر الشأن العام.

لقد أكد الفيلسوف جون ستيوارت ميل أن “إسكات رأي واحد هو سرقة للجنس البشري.” لأن الرأي المخالف قد يكون صحيحا، أو قد يحمل جزءا من الحقيقة، أو على الأقل يدفع الحقيقة إلى أن تصبح أكثر قوة عبر النقاش. ولذلك فإن محاصرة النقد أو السخرية من أصحابه لا تحمي المؤسسات، بل تضعفها.

كما أن الخلط بين الجرأة السياسية والفظاظة، وبين الصرامة وقلة الأدب، يمثل أحد أخطر مظاهر تراجع الخطاب العمومي. فالسياسي ليس مطالبا بأن يكون لطيفا مع خصومه، لكنه مطالب بأن يكون محترما. والاحترام ليس مجاملة، بل شرط من شروط العمل الديمقراطي.

لقد كان بإمكان البرلمانية أن تقدم للرأي العام معطيات تبرر سفر رئيس الحكومة، أو أن تشرح خلفياته الدبلوماسية والسياسية، أو أن تدحض الانتقادات بالحجة والوثيقة. لكنها اختارت الطريق الأسهل؛ الشخصنة، والشيطنة، والإهانة. وهو خيار لا يسيء إلى المنتقدين بقدر ما يسيء إلى صورة المؤسسة التي تنتمي إليها، ويعكس أزمة في فهم معنى المسؤولية السياسية.

قال ونستون تشرشل: “النقد قد لا يكون مريحا، لكنه ضروري.” فالحكومات القوية لا تخشى الأسئلة، بل تجيب عنها، والسياسي الواثق لا يغضبه النقاش، بل يستثمره لتقوية الثقة بينه وبين المواطنين.

إن المغرب يواجه اليوم تحديات اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية معقدة، ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب سياسي رصين، يعزز الثقة، ويشرح الحقائق، ويقنع الرأي العام، لا إلى خطابات انفعالية تجعل المواطن يشعر بأن مساءلته للمسؤولين قد تتحول إلى تهمة.

وفي النهاية، فإن قيمة السياسي لا تقاس بعدد الشتائم التي يطلقها دفاعا عن حزبه أو زعيمه، وإنما بقدرته على الارتقاء بالنقاش العام، واحترام عقول المواطنين، والإيمان بأن الديمقراطية لا تعيش إلا بالاختلاف.

أما حين يصبح المواطن موضع احتقار لأنه انتقد مسؤولا، وحين تتحول الشتيمة إلى أداة للدفاع عن السلطة، فإننا لا نكون أمام أزمة تدوينة أو تصريح عابر، بل أمام انحدار مقلق في الثقافة السياسية، وانزلاق يمس صورة المؤسسات نفسها. فالمؤسسات تبنى بالاحترام، والديمقراطية تصان بالحجة، أما الإهانة فلا تنتج سوى مزيد من فقدان الثقة بين المواطن والسياسة، وهي الثقة التي يحتاجها المغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...