مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة مرتبطة بالمستقبل، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل العمل اليومي داخل المؤسسات، يقرأ البيانات، ويحلل الأداء، ويقترح القرارات، ويدخل تدريجيًا إلى واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالإنسان: إدارة الموارد البشرية.
ومع هذا التحول، بدأت تتغير صورة الموظف داخل المؤسسة. فلم تعد القرارات المتعلقة بالتوظيف، أو التدريب، أو تقييم الأداء، أو الترقية تعتمد فقط على خبرة المدير أو ملاحظاته الشخصية، بل أصبحت الخوارزميات طرفًا جديدًا في المشهد.
وهنا يظهر السؤال الأهم: هل يساعد الذكاء الاصطناعي الموظف على الحصول على فرص أكثر عدالة؟ أم أنه قد يحوله، من حيث لا ندري، إلى مجموعة من الأرقام والمؤشرات؟
— التوظيف في عصر الخوارزميات
كان موظف الموارد البشرية في السابق يقضي ساعات طويلة في مراجعة السير الذاتية والبحث بين عشرات أو مئات المتقدمين عن الشخص الأنسب للوظيفة.
أما اليوم، فقد أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على تحليل طلبات التوظيف، ومقارنة مهارات المتقدمين بمتطلبات الوظائف، وتصنيف المرشحين خلال وقت قصير.
وهذا التطور بلا شك يوفر وقتًا كبيرًا ويساعد المؤسسات على التعامل مع أعداد ضخمة من المتقدمين، لكنه يفتح في المقابل بابًا مهمًا للنقاش حول العدالة.
فالذكاء الاصطناعي لا يولد قراراته من فراغ، بل يتعلم من البيانات التي تقدم إليه. وإذا كانت البيانات السابقة تحمل تحيزًا أو ممارسات غير عادلة، فقد تتعلم الآلة ذلك التحيز وتعيد إنتاجه بصورة أكثر سرعة.
ولهذا فإن القرار النهائي في التوظيف يجب أن يبقى بيد الإنسان، وأن تكون التكنولوجيا أداة مساعدة لا سلطة خفية تحدد مصير المتقدمين.
— الموظف بين الأداء والرقابة
دخل الذكاء الاصطناعي أيضًا إلى مجال تقييم الأداء.
فمن خلال البيانات يمكن للمؤسسة معرفة معدلات الإنجاز، والحضور، والالتزام بالمواعيد، وسرعة تنفيذ المهام، ومؤشرات الإنتاجية.
وقد يبدو ذلك أكثر دقة من الاعتماد على الانطباعات الشخصية، لكنه لا يمثل الصورة الكاملة للموظف.
فالإنسان لا يعمل بمعزل عن ظروفه.
قد يتراجع أداء موظف لفترة بسبب ظرف عائلي، أو ضغط نفسي، أو مشكلة داخل بيئة العمل. وقد يكون موظف آخر عنصرًا أساسيًا في دعم زملائه وحل المشكلات وخلق روح إيجابية داخل الفريق، رغم أن هذه الأدوار قد لا تظهر بوضوح في التقارير الرقمية.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي أمام إدارات الموارد البشرية هو ألا تتحول البيانات إلى وسيلة لمراقبة الإنسان، بل إلى وسيلة لفهمه ومساعدته على التطور.
— تدريب أكثر ذكاءً
من الجوانب الإيجابية المهمة للذكاء الاصطناعي قدرته على تغيير طريقة تدريب الموظفين.
فبدلًا من تقديم برنامج تدريبي واحد للجميع، تستطيع الأنظمة الحديثة تحليل احتياجات كل موظف واقتراح مسار تدريبي يناسب مهاراته الحالية وطموحاته المستقبلية.
وهذا يفتح الباب أمام مفهوم جديد للتطوير المهني، يصبح فيه التدريب مستمرًا ومخصصًا، بدل أن يكون مجرد دورة عامة تنتهي بالحصول على شهادة.
كما يمكن للتقنيات الذكية أن تساعد المؤسسة على اكتشاف مواهب قد تكون غير ظاهرة، أو موظفين يمتلكون إمكانات تؤهلهم لمناصب أكبر في المستقبل.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لاكتشاف الطاقات البشرية بدلًا من الاقتصار على قياس أدائها.
— هل يختفي موظف الموارد البشرية؟
كلما دخلت تقنية جديدة إلى سوق العمل يتكرر السؤال نفسه: هل ستأخذ الآلة مكان الإنسان؟
وفي مجال الموارد البشرية، ربما تكون الإجابة أكثر وضوحًا.
نعم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى بعض المهام الروتينية؛ مثل فرز الطلبات، وإعداد التقارير، وتنظيم البيانات، وجدولة المقابلات، وتحليل بعض المؤشرات.
لكنه لا يستطيع أن يحل بالكامل محل الإنسان في إدارة النزاعات، وفهم المشاعر، وبناء الثقة، والتفاوض، ودعم الموظفين في الأزمات، وصناعة ثقافة مؤسسية يشعر فيها العامل بأنه جزء من المكان لا مجرد رقم في نظام إلكتروني.
ولهذا قد لا يختفي موظف الموارد البشرية، بل تتغير وظيفته.
فبدل أن يقضي معظم وقته خلف الملفات والجداول، قد يصبح أكثر قربًا من الموظفين وأكثر اهتمامًا بالقيادة والتواصل والتطوير.
وربما تكون هذه إحدى أهم الفرص التي تقدمها التكنولوجيا لهذا القطاع.
— الخصوصية ليست تفصيلًا
لكن الجانب الأكثر حساسية في هذا التحول يتعلق بالخصوصية.
فكلما جمعت المؤسسة بيانات أكثر عن موظفيها، زادت مسؤوليتها في حمايتها واستخدامها بصورة عادلة.
من حق الموظف أن يعرف ما البيانات التي تجمع عنه، ولماذا تجمع، ومن يستطيع الوصول إليها، وكيف يمكن أن تؤثر في قرارات مثل الترقية أو التدريب أو التقييم.
ولا ينبغي أن يجد الإنسان نفسه يومًا أمام قرار مصيري اتخذته خوارزمية لا يعرف كيف وصلت إليه.
فالشفافية هنا ليست رفاهية، بل شرط أساسي لبناء الثقة داخل المؤسسة.
— القرار الذكي يحتاج إلى حكمة إنسانية
قد تستطيع الخوارزمية أن تقول إن إنتاجية موظف انخفضت بنسبة معينة، لكنها لا تعرف بالضرورة لماذا.
وقد تستطيع أن تقترح شخصًا للترقية، لكنها لا تستطيع وحدها قياس قدرته على احتواء فريقه أو تحمله للمسؤولية في الأزمات.
وقد تستطيع مقارنة آلاف السير الذاتية خلال دقائق، لكنها لا ترى دائمًا الشغف والطموح والقدرة على التعلم خلف الكلمات المكتوبة.
ولهذا، فإن أفضل المؤسسات لن تكون تلك التي تستبدل الإنسان بالآلة، بل تلك التي تعرف كيف تجمع بين دقة التكنولوجيا وحكمة الإنسان.
— الإنسان أولًا
مستقبل الموارد البشرية لا ينبغي أن يقوم على سؤال: الإنسان أم الذكاء الاصطناعي؟
بل على سؤال أكثر أهمية: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان؟
فإذا استطاعت التكنولوجيا أن تتولى الأعمال المتكررة، وتكشف الاحتياجات التدريبية، وتساعد على تحسين القرارات، فإن ذلك يمنح إدارة الموارد البشرية فرصة للعودة إلى جوهر دورها الحقيقي: الاهتمام بالإنسان.
فالخوارزميات تستطيع قراءة الأرقام، لكنها لا تقرأ دائمًا ما خلفها.
وتستطيع قياس الإنتاجية، لكنها لا تستطيع قياس الانتماء والرحمة والوفاء والإبداع بالطريقة التي يفهمها الإنسان.
ولهذا، مهما تطورت التكنولوجيا، يجب أن يبقى الإنسان في قلب إدارة الموارد البشرية.
لأن المؤسسة التي تنجح في إدارة التقنية، لكنها تفشل في فهم الإنسان، لن تكون مؤسسة ذكية حقًا.
بقلم: د. تغاريد محمد الفواز
رئيس أكاديمية دمشق للتدريب والوعي المجتمعي
