Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

عيد الوحدة :تحول رمزي ووطني يجمع بين الذاكرة والديبلوماسية

تقديم عام :

يُعد إقرار الأعياد الوطنية لحظة تأسيسية في بناء الدولة-الأمة. فهي ليست مجرد تواريخ في الروزنامة، بل هي مؤسسات رمزية تؤدي وظائف ثقافية وتربوية وسياسية عميقة، تهدف إلى صيانة الذاكرة والهوية الجماعية للدول.

وفي هذا السياق، يأتي إعلان صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيداً وطنياً جديداً تحت اسم “عيد الوحدة”، بموجب بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم *4 نونبر 2025*. وقد جاء هذا القرار عقب الخطاب الملكي التاريخي ليوم 31 أكتوبر 2025، مباشرة بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 2797 بشأن الصحراء المغربية.

ويأتي هذا العيد في سنة 2026 ليحتفل به المغاربة لأول مرة، ليشكل مع المسيرة الخضراء (6 نونبر) وعيد الاستقلال (18 نونبر) ثلاثية رمزية متكاملة لمسار الوحدة الترابية، فإذا كانت المسيرة الخضراء ترمز إلى استرجاع الأرض، فإن عيد الوحدة يرمز إلى تثبيت الاعتراف الدولي واكتمال الشرعية.

1- أهمية صيانة الذاكرةالتاريخية :

إن الذاكرة ليست مجرد استدعاء سلبي لقصص الماضي بل هي عملية سوسيولوجية معقدة ونشطة تقوم من خلالها الجماعة باختبار وتأويل وإعادة إنتاج الاحداث المفصلية لتبرير حاضرها وبناء تطلعاتها المستقبلية، باعتبارها الركيزة السوية التي تحول دون ذوبان الهويات القومية في قوالب العولمة النمطية وقد أكد عالم الاجتماع موريس هالبواكس في تعريفه للذاكرة أنها تمثل عاطفي حي وانتقائي للماضي يعيش في وجدان الجماعة الحاضرة، انها قراءة الماضي بعيون الحاضر وحصن للأحداث التاريخية بقيم أخلاقية ووطنية تمنح المجتمع تماسكا داخليا ومبررا وجوديا مستداما. 

والهدف من الذاكرة التاريخية التي تتبناها الدولة وتؤسسها مؤسساتيا عبر المناهج التعليمية، المتاحف، النصب التذكارية،الأعياد الوطنية هو ضمان استمرارية سردية موحدة عابرة للأجيال وتلعب الذاكرة دور حارس بوابة الوعي فهي التي تمنح الشعوب المناعة الثقافية ضد محاولات الاستلاب او الطمس الناعم المرتبط بالاستعمار المعاصر عندما يهتم المجتمع بذاكرته التاريخية يصبح اكثر قدرة على مواجهة الأزمات الوجودية استلهامامن صمود أجداده، كما أنها تحدد ملامح العقد الاجتماعي للدول بناء علي تراكمات الصداقة او الصراع التاريخي والامة التي تفقد ذاكرتها تفقد بوصلتها الاستراتيجية وتصبح طاقة هشة قابلة للإحتواء والتبعية. بينما تظل الذاكرة الحية الوقود الفكري والروحي الذي يضمن استدامة النهوض الحضاري والتنموي للشعوب. 

2- القرار الاممي 2797 وتعزيز مكتسبات الوحدة الترابية :

على ضوء القرار الاممي 2797الذي صدر بتاريخ 31اكتوبر2025.
هذا التاريخ الذي يعتبر لحظة تاريخية حاسمة في تاريخ المغرب والذي اعاد بناء الذاكرة الجمعية للمغاربة حول تحقيق مكتسبات الوحدة الترابية للصحراء المغربية. كما انه انتصار للدبلوماسية الملكية للملك محمد السادس نصره
الله التي استطاعت ابهار العالم بواسطة استراتيجية دبلوماسية امتدت لعقود والان نجني ثمارها.
كل هذا سوف يشكل منعطفا تاريخيا في دخول المغرب إلى عالم الدول الصاعدة.
ولعل مقاربات مقترح الحكم الذاتي الذي طرحته الدبلوماسية الملكية سنة 2007 لخير دليل على ذلك.
هذا من جهة ومن جهة اخرى اعاد هذا القرار الاعتبار للمحطات التاريخية الكبرى التي عرفتها هاته القضية ولعل ابرزها ذكرى المسيرة الخضراء التي شكلت فكرة وابداعا في التلاحم بين العرش والشعب ورمز للروح الوطنية وقيم المواطنة الفاعلة التي ميزت التاريخ السياسي للمغرب. كل هذا استحضر ذكريات هاته الذكرى وسردياتها ومهندسها الملك الحسن الثاني طيب الله مثواه.

ويحمل تاريخ 31 أكتوبر دلالة تاريخية مفصلية، تؤرخ لما سماه جلالة الملك الملك محمد السادس نصره الله في خطابه “ما قبل 31 أكتوبر وما بعده“.تتويج لمسار نصف قرن: من المسيرة الخضراء 1975 التي أبدعها الملك الراحل الحسن الثاني، إلى 2025، خاض المغرب خمسين سنة من التضحيات الدبلوماسية والتنموية والميدانية. عيد الوحدة هو لحظة تتويج هذا المسار الطويل، والانتقال من المشروعية التاريخية إلى الشرعية الأممية: إذا كانت المسيرة الخضراء جسدت السيادة الشعبية (350 ألف متطوع)، فإن عيد الوحدة يجسد انتقال مركز الثقل من الداخل إلى الخارج، من الفعل الشعبي إلى الاعتراف الأممي. فهو يربط الذاكرة الوطنية بقرار صادر عن أعلى هيئة دولية (مجلس الأمن).

كما تؤكد مديرة الوثائق الملكية بهيجة سيمو، سيسجل تاريخ 31 أكتوبر بمداد من الفخر ضمن الأحداث الكبرى، حيث انتقل المغرب من المسيرة الخضراء إلى مسيرات النماء، إلى مسيرة المغرب الموحد.

3- الدلالات السياسية لعيد الوحدة

تتجاوز دلالات عيد الوحدة البعد الاحتفالي إلى أبعاد استراتيجية عميقة:

الدلالة الأولى : تحويل المكسب الدبلوماسي إلى رمز وطني دائم

الدولة المغربية لا تتعامل مع قرار مجلس الأمن 2797 كحدث عابر، بل حولته إلى عيد وطني يُخلد كل سنة، وهي رسالة بأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبحت حقيقة راسخة وليست موضوع تفاوض.

الدلالة الثانية :الانتقال من خطاب التعبئة إلى خطاب المؤسسة

عيد الوحدة ينقلنا من الخطاب التعبوي الحماسي للمسيرة الخضراء إلى الخطاب المؤسساتي الوحدوي العقلاني، هو إعلان ملكي بنهاية مرحلة الصراع وبداية مرحلة البناء والاستقرار والتفاوض بحسن نية.

الدلالة الثالثة :إعادة ترتيب الرموز الوطنية

هو ذكاء رمزي يخفف الشحنة العاطفية ويعوضها بمناسبة أكثر هدوءاً ومؤسساتية، ويطمئن المجتمع الدولي بأن المغرب يربط سرديته بقرارات الأمم المتحدة،وهي مناسبة وطنية ستعزز البعد الإنساني للوحدة ويربطها بقيم التسامح والمصالحة.

4- الذكاء الديبلوماسي للمغرب

لأزيد من 40 سنة، كانت قضية الصحراء تُدار في الأمم المتحدة كـ “نزاع إقليمي”، الذكاء المغربي حول هذا النزاع  و بدل الدخول في صراع استنزاف، طرح الملك محمد السادس مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007. واليوم، قرار مجلس الأمن 2797 لسنة 2025 الذي يصف المبادرة بأنها الجادة والواقعية هو ثمرة هذا الاستثمار الطويل وعيد الوحدة هو احتفال بانتصار فكرة على فكرة، وليس بانتصار سلاح على سلاح ،و المغرب لم يفصل بين الداخل والخارج. بينما كان يراكم الاعترافات الدولية (أمريكا، إسبانيا، فرنسا، 30 قنصلية بالعيون والداخلة)، وكان ينجز في الداخل مجموعة من المشاريع الاستراتيجية الطريق السريع تزنيت-الداخلة، ميناء الداخلة الأطلسي، محطة تحلية، نموذج تنموي للأقاليم الجنوبية .

وعكس خصوم الوحدة الذين راهنوا على الاستعجال والتصعيد، راهن المغرب على الزمن الطويل. دبلوماسية القصر الملكي اشتغلت بمنطق “النفس الطويل”. من وقف إطلاق النار 1991 إلى الحكم الذاتي 2007 إلى الاعترافات 2020-2025، كل خطوة محسوبة،وعيد الوحدة هو تتويج لسياسة “الخطوة خطوة” وليس لسياسة الضربة القاضية.

واختيار 31 أكتوبر بالذات ليس صدفة. هو نفس يوم صدور قرار مجلس الأمن 2797 ونفس يوم الخطاب الملكي التاريخي. المغرب حول تاريخاً أممياً إلى تاريخ وطني. هذه هي قمة السيادة الرمزية: أن تجعل العالم يحتفل معك بتاريخك، وأن تجعل تاريخك جزءاً من تاريخ الشرعية الدولية. لم نعد نحتفل فقط بمسيرتنا نحن، بل نحتفل باعتراف العالم

وأخطر لحظة في الدبلوماسية هي لحظة النصر،حيث أن العديد من الدول تنتقم حين تنتصرو المغرب فعل العكس ،حيث أن الملك محمد السادس نصره الله في خطاب 31 أكتوبر 2025، مد جلالته يده مرة أخرى للجزائر وللبوليساريو من أجل حوار أخوي وعودة كريمة في إطار الحكم الذاتي ، وإلغاء خطاب المسيرة الخضراء كخطاب رسمي وتعويضه بعيد الوحدة، هو رسالة تهدئة وبلغة صريحة  “انتهى زمن التعبئة، وبدأ زمن البناء،“و المنتصر الحقيقي هو من يعرف كيف ينهي الحرب برمز للسلام.

خلاصات :

انطلاقا مما سبق نخلص إلى الخلاصات التالية :

الخلاصة الأولى :

إن عيد الوحدة ليس مجرد إضافة جديدة إلى لائحة الأعياد الوطنية، بل هو تحول نوعي في البناء الرمزي للدولة المغربية

الخلاثة الثانية :

أن عيد الوحدة هو تتويج للدبلوماسية الملكية الراقية التي جعلت من قضية الصحراء قضية بناء واندماج ومستقبل، وليس فقط قضية دفاع عن السيادة. ومن جهة أخرى، هو إعلان عن دخول المغرب مرحلة جديدة: مرحلة ما بعد النزاع المفتعل، مرحلة تثبيت الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي وجاد

الخلاصة الثالثة :

إننا أمام انتقال تاريخي من ملحمة استرجاع الأرض (1975) إلى ملحمة تثبيت الاعتراف (2025)، وإذا كان عيد الاستقلال يرمز إلى نهاية الحماية، فإن عيد الوحدة يرمز إلى اكتمال السيادة.


شاهد أيضا

شاهد أيضا