مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
أخر خبر
في أعالي الأطلس المتوسط، يتكرر المشهد نفسه كل صيف: نساء يحملن الدلاء ويقطعن مسافات طويلة بحثاً عن بضع لترات من الماء، شيوخ يغادرون بيوتهم قبل الفجر لتأمين ما يسدّ الرمق، وأطفال يصطفون في صمت عند الينابيع والآبار. تفاصيل يومية تختزل أزمة الماء في دواوير إقليمي بني ملال وأزيلال، وتفضح هشاشة التنمية في المناطق الجبلية.
صيف 2025 لم يختلف كثيراً عن سابقيه، لكنه حمل احتجاجات أقوى. ساكنة آيت بوكماز وبوتفردة وإغورضان وأوربيع خرجت في مسيرات تطالب بالماء والطرق والصحة والتعليم. مشهد الاحتجاجات بدا أقرب إلى ملحمة جماعية: نساء يحملن أطفالهن، شيوخ يتكئون على عصيّهم، وشباب يرفعون شعارات تعكس غضباً متراكماً منذ عقود.
أحد سكان إغورضان لخص الإحباط بصوت مرتفع: “وَنَموت آالمخزن، وَنَموتا!”، صرخة سرعان ما تحولت إلى صدى عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل.
أزمة العطش لم تكن فقط نتيجة الجفاف، بل ثمرة فشل مشاريع تنموية لم تجد طريقها إلى التنفيذ. البرلماني رشيد المنصوري أكد أن الاحتجاجات “لم تأت من فراغ، بل من خيبات مشاريع متعثرة أثرت على مسار التنمية”.
جمعيات مدنية وحقوقية بدورها تساءلت عن مآل الميزانيات المخصصة لمشاريع الماء، داعية إلى تحقيق شفاف وربط المسؤولية بالمحاسبة.
رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، اعتبر أن غياب شبكات مائية عادلة يجعل من الماء أداة لتعميق التفاوتات بدل أن يكون أساساً للكرامة الإنسانية. وبالنسبة للساكنة، الحصول على الماء لم يعد مطلباً تنموياً فقط، بل قضية وجودية.
في دواوير تنكارف وتفرت ونايت حمزة، تقضي النساء ساعات طويلة يومياً في جمع الماء. إحداهن قالت: “نستيقظ قبل طلوع الشمس لنملأ الدلاء، صار الماء شغلاً يومياً يستهلك حياتنا”. فيما أكد شيخ مسن: “لا نطلب المستحيل، فقط ماء صالح للشرب وطريق نحو المستشفى”.
الكهرباء لا تزال غائبة عن عدد من البيوت، والإنترنت حلماً بعيداً، بينما يستمر نزيف الهدر المدرسي بسبب انعدام النقل وفك العزلة.
النائبة ثورية عفيف حمّلت السياسات الحكومية المسؤولية، مشيرة إلى أن أطفال بوتفردة يغادرون المدرسة بسبب غياب النقل، وسكان آيت بوكماز يقطعون ساعات للوصول إلى طبيب، وأسر تعيش بدون كهرباء.
وحذرت من أن استمرار الوضع يهدد السلم الاجتماعي، مطالبة بالإسراع في إخراج قانون الجبال كإطار وطني ضامن للعدالة المجالية.
بيانات المندوبية السامية للتخطيط تؤكد أن جهة بني ملال – خنيفرة من أكثر الجهات هشاشة بالمغرب، مع نسب فقر مرتفعة، وانقطاع مدرسي في الإعدادي، وضعف في الخدمات الصحية، حيث لا يزال المستشفى الجامعي ببني ملال غير مكتمل، والمستوصفات القروية شبه خاوية.
خبراء التنمية يرون أن تجاوز الأزمة يمر عبر رؤية شمولية: استغلال الينابيع وحفر الآبار، إصلاح الطرق، وحدات صحية متنقلة، مدارس جماعاتية، توسيع النقل المدرسي، واعتماد قانون الجبال كآلية قانونية للإنصاف المجالي.
وفيما تحاول السلطات المحلية والإقليمية إطلاق مشاريع لتزويد القرى بالماء وتحسين البنية التحتية، يبقى الرهان معلقاً على المجالس المنتخبة لضمان سرعة التنفيذ، قبل أن تتحول أزمة العطش إلى مأساة أكبر.
