Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الشباب المغربي والسياسة بين فخ “المناولة” ورهان الوعي النضالي

نحن اليوم أمام نموذج فكري غريب جدا عن العرف الأخلاقي المغربي المشهود له بقيم التسامح والاحترام المتبادل وتدبير الاختلاف بمعايير أخلاقية وحضارية مغربية صرفة؛ هذا النموذج الذي يستبدل أدب الاختلاف بثقافة الاصطدام، ويحاول فرض غريب اللفظ ومنطق الاستعلاء على هوية وطنية صلبة بنيت على الاحترام والتقدير المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع؛ هي محاولة لتغريب السلوك السياسي المغربي وإحلال النزعة الصدامية محل التعاقد الأخلاقي التاريخي الذي طالما كان مطلبا سياسيا تاريخيا لكل المكونات الحية للشعب المغربي وهذا التعاقد ليس ترفا خطابيا، بل هو صمام أمان يضمن تدبير التناقضات المجتمعية تحت سقف المؤسسات، بعيدا عن غوغائية الشارع أو استعلاء النخب المالية والاقتصادية. إنه العهد الذي يربط السياسي بوجدان الشعب، مؤكدا أن الفعل السياسي المسؤول لا يستقيم إلا بالوقار، وأن الإنجاز الانتخابي أو السياسي يجد جوهره في السلوك القيمي النبيل الذي يترفع عن صغائر اللفظ ويرتقي بالممارسة السياسية من مجرد صراع تقني بارد إلى أمانة أخلاقية ووطنية كبرى.

إن مخاطبة المغاربة – أذكى شعب في العالم – عبر قناة تلفزيونية ممولة من جيوب دافعي الضرائب كانت تتطلب جدية وكياسة واحترام تام وكامل للميثاق الأخلاقي الرفيع الذي يجمع المغاربة منذ عشرات القرون. فالمناظرة السياسية هي جوهر العمل السياسي والمجال الحيوي لتدبير الاختلاف، حيث يتم فرز الخيارات الوطنية بناء على قوة الحجة لا على حدة اللفظ. سياسيا، الانفتاح على الشباب وتحفيزهم على العمل السياسي الجاد والمسؤول هو مطلب مجتمعي أشتغل عليه حزب التقدم والاشتراكية عبر تاريخه النضالي والكفاحي منذ لحظة التأسيس قبل ثمانين سنة، والمدخل الوحيد الممكن أمامنا اليوم لتحقيق نهضة مغربية في زمن اللايقين على جميع مستوياته؛ إذ لا يمكن بناء مستقبل بآليات الاستهلاك السياسي العابر، بل عبر إحياء ثقافة المناظرة الحقيقية التي تحترم ذكاء فئة الشباب وتجعلها شريكا في القرار لا مجرد صدى للخطابات الجاهزة، أو ديكورات جاهزة لالتقاط السيلفيات والصور النمطية المنمقة.

دفع الشباب للقيام بأعمال “مناولة سياسية” لخدمة مشروع تجاري واقتصادي نجح في شرعنة التهاب الأسعار كواقع بنيوي وتحويل الغلاء كأسلوب عيش للمغاربة واستهداف الخصوم بأساليب تفتقر لأدنى مقومات النبل السياسي وتكتيكات تواصلية هجينة، تعكس عجزا مزمنا عن المواجهة الفكرية الرصينة واستهداف المنافسين بـآليات تبخيسية ممنهجة تروم الاغتيال القيمي وشخصنة الحوار بدل المقارعة الفكرية الهادئة، يطرح سؤالا عميقا حول دورنا كنخب سياسية في تأطير الشباب المغربي الذي يشكل حاضرنا ومستقبلنا، فخطورة هذا النهج تكمن في إحداث حالة من الاغتراب القيمي عبر تسليع طاقات الشباب وتحويلها إلى مجرد دروع تواصلية لحماية المصالح الضيقة للباطرونا ورجال الأعمال. هذا الاستلاب الفكري لا يقف عند حدود الاستغلال المادي، بل يمتد إلى تزييف الوعي الطبقي وصناعة تبعية فكرية تجعل الشباب يتبنى أطروحات “الريع والامتيازات” التي هي في الواقع العائق البنيوي أمام طموحاته في الشغل والكرامة والعيش الكريم، وحيث يصبح الدفاع عن خيارات اقتصادية واجتماعية تشرعن لفكرة “تضارب المصالح” هو الواجهة السياسية البديلة عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية، مما يخدم “مشروعا سياسيا هجينا” يسعى لتحييد الشارع وتجريده من آلياته النضالية والفكرية، وهو ما يمثل أعلى درجات الاستيلاب السياسي في مغرب اليوم.

كان من المنتظر من حزب التجمع الوطني للأحرار بعد صدمة “جيل زد” إعادة توجيه سياسي وفكري للنموذج الخطابي المستفز – للفئة الصامتة من المجتمع – والذي كرسه الحزب منذ بداية الولاية الحكومية عبر التسامح مع الشعبوية وتشجيع خطاب غوغائي غارق في النمطية لوجوه للأسف أصبحت جزءا من العطب السياسي في الوطن، والذي انتهى بارتطام مجتمعي تجلى في العنف الغريب وغير المسبوق لـ “جيل زد”، كاشفا عن أزمة ثقة عميقة في المؤسسات الوسيطة. ومع ذلك، اختار الحزب القائد للأغلبية التواري خلف العناد السياسي بدلا من القيام بمراجعة فكرية وإيديولوجية تنهي حالة الاحتقان المجتمعي. وهذا الهروب إلى الأمام لا يكرس فقط القطيعة مع الشارع، بل يحول الغضب من حيز المطالب المعيشية إلى فضاء الاصطدام القيمي، وهو منزلق لا يمكن لأرقام مكاتب الدراسات أو جداول البيانات الصماء أن تحتوي تداعياته على استقرار المجتمع.

الإشكال الحقيقي اليوم ليس في ضمان حق الشباب في التعبير عن أفكاره، فهو مكفول بتوجيهات ملكية سامية ونصوص دستورية واضحة. اليوم نحن أمام عملية تسطيح ممنهج لمطالب الشباب المغربي في العدالة الاجتماعية ومناصب الشغل والحياة الكريمة، وتحويل طاقتهم الإيجابية والمفعمة بالأمل لخدمة مشروع اقتصادي ينظر إلى المغاربة كأرقام وإحصائيات وجداول وبيانات؛ مشروع يقدس الأداء المالي ويغفل الأثر الإنساني، وهو الوضع الذي تصدى له حزب التقدم والاشتراكية بكثير من الشجاعة والوضوح والمسؤولية منذ 8 شتنبر 2021 إلى اليوم، مؤكدا أن السياسة في جوهرها هي “أنسنة” للأرقام وانتصار لكرامة المواطن فوق كل الاعتبارات الحسابية سواء في التقارير أو في الحسابات البنكية.

في هذا السياق المتصل بقضايا الوعي والتواصل، تجدر الإشارة إلى أن مرور الرفيق محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية في برنامج “ساعة الصراحة” لم يكن فقط حضورا إعلاميا عابرا، بل جاء موفقا إلى أبعد الحدود، وجسد بوضوح الفارق النوعي بين رجل مؤمن بقناعاته الفكرية وفق منهجية علمية دقيقة وبين من يغرق في الهواية السياسية و التخبط الإيديولوجي. هذا الظهور هو جزء أصيل من دينامية تواصلية قوية ومنهجية بدأها الرفيق الأمين العام منذ خمس سنوات، استطاع من خلالها إعادة الاعتبار للكلمة السياسية الملتزمة والقدرة على تبسيط أعقد القضايا الاقتصادية والاجتماعية دون السقوط في فخ التسطيح أو الابتذال. لقد أثبت هذا المرور أن “المناظرة” عندما تقاد برجال يمتلكون المرجعية الفكرية والخبرة الميدانية، تصبح هي الأداة الأنجع لإعادة الثقة للمواطن، وتؤكد أن حزب التقدم والاشتراكية، عبر أمينه العام، لا يزال يشكل صمام أمان لـ “المشهد السياسي المغربي” في مواجهة موجات الشعبوية و التغول المالي.

خديجة الباز

عضوة المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...