مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في عالم اليوم، تتشابك مسؤوليات المواطنين مع قيمهم الدينية، وهو ما يجعل فهم العلاقة بين المواطنة والدين أمرًا بالغ الأهمية. كثير من الأشخاص يظنون أن الالتزام الديني يعني الانعزال عن السياسة أو عدم الانخراط في صنع القرار العام. لكن هذا الفهم السطحي يُعد خطأً جسيمًا، لأنه يحرم المجتمع من مساهمة فاعلة للمؤمنين في تحقيق العدالة والتنمية والاستقرار.
المواطنة ليست مجرد حقوق مكتسبة، بل هي واجب ومسؤولية تجاه المجتمع. والمواطن المؤمن لديه دور كبير في صياغة القرارات التي تمس حياته وحياة الآخرين، عبر المشاركة في الانتخابات، أو المبادرات المجتمعية، أو العمل المدني. فترك المجال للآخرين دون مشاركة، خاصة لأولئك الذين يفتقدون القيم الأخلاقية، قد يؤدي إلى سياسات خاطئة أو فساد إداري يؤثر على الجميع.
في كثير من المجتمعات، مثل مالي، يظهر هذا التأثير بوضوح. عندما يبتعد المتدينون عن السياسة، يتمكن الآخرون، أحيانًا من خلفيات أو مصالح مختلفة، من السيطرة على القرار العام، وتحديد الأولويات بما يخدم أهدافهم الشخصية أو الحزبية، دون اعتبار للقيم الأخلاقية أو المصلحة العامة. هذا الانعزال يؤدي إلى تدهور الخدمات، وانتشار الفساد، وتراجع التنمية، وهو عكس ما يسعى إليه الدين الذي يدعو إلى العدل والمساواة والرحمة.
الدين يمكن أن يكون قوة إيجابية في السياسة، إذا وُظف بشكل صحيح. فالمؤمن الذي يشارك في الحياة العامة لا يقتصر دوره على الدفاع عن مصالحه الشخصية، بل يسعى إلى ضمان أن تكون السياسات عادلة، وأن تُدار الموارد بكفاءة، وأن تُحترم حقوق الجميع. المشاركة الدينية الفاعلة في السياسة تعني إدخال القيم الأخلاقية في القرارات اليومية، من تعليم وصحة وأمن وتنمية مستدامة، وهو ما يحقق توازنًا بين المبادئ الدينية ومتطلبات الحياة المعاصرة.
الفهم الصحيح لهذه العلاقة يغير من النظرة السلبية حول مشاركة المتدينين في السياسة. فالامتناع عن المشاركة لا يعني الفضيلة أو الالتزام الديني، بل يعني التخلي عن فرصة التأثير على المجتمع بطريقة إيجابية. المواطنة تتطلب حضورًا واعيًا ومسؤولًا، والمشاركة السياسية جزء لا يتجزأ من هذا الحضور. كل قرار سياسي يُتخذ يؤثر على حياة المواطنين اليومية، ومن هنا تكمن أهمية أن يكون للمؤمنين دور في صنع هذه القرارات، بما يعكس قيمهم ومبادئهم.
من جهة أخرى، المشاركة الفاعلة للمؤمنين في السياسة تساهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً واستقرارًا. فهي تضمن وجود رقابة أخلاقية على السلطة، وتقلل من فرص الفساد، وتدعم القوانين التي تحمي حقوق المواطنين، وتحقق التوازن بين السلطة والشعب. وهذا لا يعني الانخراط في النزاعات أو الصراعات، بل المشاركة المدروسة والمستندة إلى القيم الأخلاقية.
في الختام، يمكن القول إن المواطنة والدين يمكن أن يتكاملا لصالح المجتمع، وليس هناك تناقض بينهما إذا فهمنا العلاقة بينهما بشكل صحيح. المسؤولية تجاه المجتمع جزء من الالتزام الديني، والانخراط في السياسة أداة لتحقيق العدالة والمصلحة العامة. التخلي عن المشاركة ليس فضيلة، بل قد يؤدي إلى نتائج سلبية للآخرين والمجتمع بأسره. لذلك، على كل مواطن مؤمن أن يدرك دوره في صياغة القرار العام، وأن يجعل من قيمه الدينية مرشداً لممارسته السياسية، لتحقيق مجتمع أفضل وأكثر عدلاً وازدهارًا.
