مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
♦️مقال رأي؛ بقلم: حمزة إبراهيمي
في سياق التحولات العميقة التي تعرفها المنظومة الصحية ببلادنا، وعلى ضوء الرؤية الملكية السامية الرامية إلى تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة، التي انطلق ورشها منذ سنة 2021، يبرز إصلاح القطاع الصحي باعتباره أحد المداخل الكبرى لإعادة بناء الدولة الاجتماعية، وترسيخ الحق في العلاج، وضمان ولوج عادل ومنصف إلى الخدمات الصحية.
وضمن هذا المسار الإصلاحي، جاءت المجموعات الصحية الترابية باعتبارها إحدى مؤسسات الحكامة الجديدة المنبثقة عن القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، والمحدثة بموجب القانون رقم 08.22، لتشكل آلية تنظيمية أساسية في إعادة بناء العرض الصحي على أسس مغايرة، تقوم على الجهوية الصحية، وتوحيد القرار، وتحسين التنسيق بين مختلف مستويات الرعاية، من المؤسسات الصحية الأولية إلى المستشفيات الإقليمية والجهوية والجامعية.
غير أن قراءة هذا الإصلاح لا يمكن أن تتم من زاوية الهيكلة الإدارية وحدها، ولا من خلال النظر إلى المديريات والأقسام والمصالح باعتبارها غاية في حد ذاتها. فالإصلاح الصحي، في جوهره، اختبار لقدرة المغرب على تحويل التنظيم الإداري إلى أثر ملموس في حياة المواطن، وفي ظروف اشتغال المهنيين، وفي عدالة الولوج إلى العلاج. لذلك، يظل المعطى الديموغرافي والمجالي محددا حاسما في فهم طبيعة كل مجموعة صحية ترابية، وفي تقدير مدى ملاءمة بنيتها التنظيمية لحاجيات السكان وخصوصيات المجال.
ومن هذا المنطلق، تكتسي قراءة الهيكلتين الإدارية والتنظيمية لكل من المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي انطلقت فعليا بتاريخ فاتح أكتوبر، والمجموعة الصحية الترابية بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، التي انعقد أول مجلس إداري لها يوم الاربعاء المنصرم، على أن تشرع فعليا في العمل ابتداء من فاتح غشت، أهمية خاصة. فالأمر لا يتعلق بمجرد مقارنة تقنية بين بنيات إدارية، بل بمدخل لفهم فلسفة الإصلاح الصحي، وحدود تنزيله، والرهانات الاجتماعية والمهنية والمجالية المرتبطة به.
و هكذا، فجهة الرباط-سلا-القنيطرة، تضم حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، ما مجموعه 5.132.639 نسمة، أي حوالي 13,9 في المائة من سكان المغرب. وهي جهة ذات طابع حضري قوي، بنسبة تمدن تبلغ 70,7 في المائة، مع تمركز سكاني واضح في القنيطرة وسلا والصخيرات-تمارة. كما تسجل الرباط وسلا والصخيرات-تمارة كثافات مرتفعة جدا، تجعل الطلب على المواعيد الطبية، والمستعجلات، ومسارات العلاج أكثر ضغطا وتعقيدا.
غير أن هذا الضغط الحضري لا يلغي وجود تحديات أخرى في أقاليم كالخميسات وسيدي قاسم وسيدي سليمان، حيث يطرح تباعد التجمعات السكانية سؤال القرب الصحي، وتبرز الحاجة إلى رعاية أولية قوية قادرة على استيعاب الطلب، وتوجيه المرضى، والحد من الإحالة غير الضرورية نحو المستشفيات الكبرى. لذلك، يبدو نموذج هذه الجهة مطالبا أساسا بضبط التدفقات نحو المستشفيات الجامعية والمتخصصة، وتقوية الرعاية الصحية الأولية باعتبارها صمام توازن داخل منظومة تعرف ضغطا مؤسساتيا وسكانيا متزايدا.
أما جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، فقد ضمت في سنة 2024 ما مجموعه 4.030.222 نسمة، أي حوالي 10,9 في المائة من سكان المغرب. وتكشف بنيتها السكانية عن نمو غير متوازن، تتصدره عمالة طنجة-أصيلة بقرابة مليون ونصف نسمة، مقابل تباطؤ أو تراجع في بعض الأقاليم الجبلية والقروية. كما تجمع الجهة بين كثافات حضرية وساحلية مرتفعة في طنجة والمضيق-الفنيدق، وامتدادات ترابية صعبة في شفشاون والحسيمة ووزان.
وهذا المعطى يفسر الحضور القوي لمفهوم المجالات الصحية في هيكلة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، لأن الرهان لا يرتبط فقط بعدد المؤسسات الصحية، بل بزمن الوصول إلى الخدمة، ونجاعة مسارات الإحالة، وقدرة الشبكة الصحية على الربط بين المركز والهامش. فالمجال هنا ليس مجرد خلفية جغرافية، بل عنصر مؤثر في التخطيط والتدبير والتوزيع العادل للموارد. ومن ثم، فإن نجاح النموذج بهذه الجهة سيقاس بقدرته على تحويل الامتداد الترابي والتنوع المجالي إلى تخطيط صحي منصف، لا إلى فوارق جديدة في الحق في العلاج.
إن أول ما يلفت الانتباه في النموذجين هو اعتمادهما على هندسة عامة مشتركة، تقوم على وجود مجلس إدارة في قمة الهرم، تليه المديرية العامة للمجموعة الصحية الترابية، ثم فرعان رئيسيان احدهما فرع صحي و و الآخر فرع إداري. و هو ما يعكس رغبة واضحة في تجاوز التشتت الذي طالما طبع تدبير المنظومة الصحية، عبر إحداث بنية جهوية قادرة على الربط بين التخطيط الاستراتيجي والتدبير اليومي للمؤسسات الصحية.
غير أن هذا التشابه في البناء العام لا يمنع من تسجيل اختلافات في طريقة إبراز الأولويات وتنزيل الاختيارات التنظيمية على المستوى الجهوي. فالمجموعتان تعتمدان نفس البنية الوظيفية الكبرى، من خلال مديريات العرض الاستشفائي، والرعاية الصحية الأولية، والوقاية والنهوض بالصحة، ونظم المعلومات والتحول الرقمي، والتكوين والبحث والابتكار، إلى جانب البنيات الإدارية والقانونية والمالية والداعمة. لكن خصوصية كل جهة تنعكس في كيفية ترتيب هذه الوظائف، وربطها بحاجيات المجال، وبطبيعة المؤسسات التابعة لها، وبآليات التنسيق والتتبع المعتمدة.
في هذا الإطار، تبرز جهة الرباط-سلا-القنيطرة من خلال طابع مؤسساتي واضح، بحكم احتضانها 10 مستشفيات جامعية باعتبارها مؤسسات صحية مرجعية ومتخصصة، و من بينها مستشفى ابن سينا الجديد الاكبر و الاكثر تحديثا افريقيا و عربيا، وقربها من مراكز القرار الوطني، وارتباطها القوي بالمستوى الثالث من العلاجات. وهو ما يجعل رهانات التخطيط، والرقمنة، وتكامل سلاسل العلاج، والتنسيق بين المستويات الصحية المختلفة، أكثر حضورا في قراءة نموذجها التنظيمي، خاصة في ظل غياب إبراز مفهوم المجالات الصحية بالصورة نفسها التي نجدها في نموذج طنجة-تطوان-الحسيمة.
في المقابل، تبدو هيكلة طنجة-تطوان-الحسيمة أكثر ارتباطا بالبعد الترابي والمجالي، من خلال الحضور الواضح لمجالات صحية كبرى، مثل مجال طنجة، ومجال تطوان، ومجال الحسيمة، وما يرتبط بها من مؤسسات استشفائية وجامعية ومتخصصة لا تتجاوز 4 مؤسسات. وهذا الاختيار يبدو منسجما مع طبيعة الجهة، التي تتميز بتنوع جغرافي وسكاني واضح، يجمع بين المجال الحضري والساحلي والجبلي والقروي.
ومن هنا، فإن تنظيم العرض الصحي بهذه الجهة يطرح تحديات خاصة، تتعلق بالعدالة المجالية، وتكافؤ الولوج إلى الخدمات، وتقريب العلاج من المواطن، وضمان التنسيق بين المستشفيات الكبرى والمؤسسات الصحية القاعدية. فنجاح هذا النموذج لن يتوقف فقط على توزيع المديريات والمصالح، بل على قدرته الفعلية على تقليص الفوارق بين المركز والهامش، وبين المدن الكبرى والمناطق النائية.
وتبرز هذه الخصوصيات أيضا من خلال توزيع المؤسسات الصحية حسب مستويات الرعاية. فالمجموعة الصحية الترابية بجهة الرباط-سلا-القنيطرة تضم، وفق ما يظهر في الهيكلة، عشر مؤسسات ذات طبيعة ثالثية، وسبع مديريات للمناطق الصحية على المستوى الثانوي، وما مجموعه 275 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية، موزعة بين الرباط، وسلا، والصخيرات-تمارة، والقنيطرة، وسيدي قاسم، والخميسات، وسيدي سليمان.
أما جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، فتقوم هيكلتها على أربع مؤسسات جامعية أو متخصصة في المستوى الثالثي، وشبكة ترابية أوسع مرتبطة بثلاثة مجالات صحية وثماني مناطق صحية، ترتبط كل واحدة منها بمستشفى إقليمي، مع ما يقارب 301 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وبنيات دعم مرتبطة بها. وهذا المعطى العددي والتنظيمي يكشف اختلاف طبيعة الرهانات بين جهة يغلب عليها التركيز المؤسساتي، وأخرى يفرض فيها الامتداد الترابي تحديات إضافية في التنظيم والتنسيق والإحالة.
كما تكشف هيكلة الرباط-سلا-القنيطرة عن استحداث عدد من آليات الحكامة والتنسيق، من قبيل لجنة القيادة والتتبع متعددة الأبعاد، واللجنة الاستشفائية الجامعية، ولجنة الجودة والديمقراطية الصحية، واللجان الموضوعاتية، ولجنة تنسيق مسارات العلاج، وأكاديمية المجموعة الصحية الترابية. وتكمن أهمية هذه الآليات في قدرتها، متى فعلت بالشكل المطلوب، على ضمان تتبع أدق للقرار الصحي، وتحقيق الانسجام بين المستشفى الجامعي، والمستشفى الإقليمي، والرعاية الصحية الأولية، ومختلف الفاعلين داخل المنظومة.
وتكشف المقارنة بين النموذجين كذلك أن الأمر لا يتعلق بتفاضل بين جهتين، بل بتنزيل جهوي مختلف لنفس الاختيار الوطني، يمكن اعتباره تنوع من شأنه أن يتحول إلى نقطة قوة إذا تم تدبيره بمنطق التكامل وتبادل التجارب، لا بمنطق التفاوت أو الازدواجية في المعايير.
بينما الفصل بين الفرع الصحي والفرع الإداري يمكن أن يشكل خطوة إيجابية نحو عقلنة التدبير، شريطة ألا يتحول إلى جزر معزولة داخل نفس المؤسسة. فالنجاعة الحقيقية تقتضي تكاملا يوميا بين التدبير العلاجي والإداري والمالي واللوجستيكي، لأن مسار المواطن داخل المؤسسة الصحية يمر عبر حلقات مترابطة، من الاستقبال والتوجيه، إلى التشخيص والعلاج والتتبع، وصولا إلى جودة الخدمة الصحية وكرامة المرتفق والمهني معا.
وفي هذا السياق، تكتسي بنيات الافتحاص والجودة ومراقبة التدبير أهمية خاصة، شريطة أن تعتمد كآليات لتحسين الأداء لا كأدوات للمراقبة الزجرية. فالجودة لا تبنى بالخوف، بل بالتكوين، والتحفيز، والتأطير، وتوفير الإمكانيات، واعتماد مؤشرات واقعية ومنصفة للتقييم. أما الافتحاص الحقيقي، فهو الذي يكشف الاختلالات من أجل معالجتها، لا من أجل تحميل المسؤولية للحلقة الأضعف داخل المنظومة.
ويظل التحول الرقمي، باعتباره جزءا من البنية الوظيفية المشتركة للمجموعات الصحية الترابية، خيارا ضروريا لتحديث الإدارة الصحية، لكنه يبقى رهينا بتوفير البنية التحتية، وتكوين الموارد البشرية، وتبسيط المساطر، وحماية المعطيات. فالرقمنة الناجحة هي التي تختصر الزمن الإداري، وتحسن تتبع المرضى، وتسهل اتخاذ القرار، لا التي تضيف أعباء جديدة إلى واقع مهني مثقل أصلا بالضغط ونقص الموارد.
ولا يقل التكوين والبحث والابتكار أهمية في هذا المسار، باعتباره مدخلا أساسيا لتأهيل المنظومة الصحية ومواكبة تحولات الممارسة المهنية. غير أن هذا التكوين ينبغي أن يكون مستمرا، ومنصفا، ومفتوحا أمام مختلف الفئات المهنية، ومرتبطا بحاجيات الميدان وبالتحولات الوبائية والديمغرافية والتكنولوجية، حتى لا يتحول إلى مجرد واجهة تنظيمية منفصلة عن واقع العمل اليومي داخل المؤسسات الصحية.
ومن موقع قراءة اجتماعية ونقابية مسؤولة، فإن قيمة هذه الهيكلة تقاس أساسا بأثرها العملي على المواطن والمهني معا. فالإصلاح الصحي، مهما بلغت دقة هندسته التنظيمية، لا يمكن أن ينجح دون تحسين شروط العمل، وتخفيف الضغط عن الأطر الصحية والإدارية والتقنية، وضمان توزيع عادل ومنصف للموارد البشرية، وتوفير الوسائل الضرورية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك الشغيلة الصحية في مختلف مراحل التنزيل والتقييم.
كما أن نجاح هذه الهيكلة سيظل رهينا بقدرتها على إحداث تحول ملموس في واقع الخدمة الصحية، من خلال تقليص آجال المواعيد الطبية، وتقريب الخدمات من المناطق الهشة والنائية، وتعزيز المستعجلات والوقاية والرعاية الصحية الأولية، وإنصاف الموارد البشرية اجتماعيا وماديا ومهنيا. كما يظل هذا النجاح مرتبطا بترسيخ الشفافية في الصفقات والتعيينات والتدبير المالي، وفتح قنوات حقيقية للحوار الاجتماعي داخل هذه المجموعات، بما يجعل الإصلاح فعلا مؤسساتيا مندمجا لا مجرد إعادة ترتيب إداري.
إن المجموعات الصحية الترابية يمكن أن تشكل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة في المنظومة الصحية، شريطة أن يكون الإصلاح تشاركيا، واضحا، منصفا، ومسنودا بإرادة فعلية لتحسين أوضاع العاملين بالقطاع. فالرهان اليوم ليس فقط في بناء مجموعات صحية قوية من الناحية الإدارية، بل في جعلها مؤسسات عمومية صحية عادلة، فعالة، شفافة، ومنفتحة على محيطها المهني والاجتماعي.
وتزداد أهمية هذا الرهان في ظل استمرار ترقب الأطر الصحية، ومعها الرأي العام، للهيكلة التنظيمية للمجموعات الصحية الترابية بكل من جهات الدار البيضاء-سطات، والعيون-الساقية الحمراء، وفاس-مكناس، وسوس-ماسة، التي تفضل جلالة الملك بتعيين مدراءها العامين خلال المجلس الوزاري الاخير و ينتظر أن تنعقد مجالسها الإدارية خلال الاسابيع المقبلة. وهو ما يجعل هذه المحطة اختبارا حقيقيا لمدى قدرة هذا الورش على توحيد الرؤية، واحترام الخصوصيات الجهوية، وضمان تنزيل عادل وشفاف للإصلاح.
فالإصلاح الصحي لن ينجح فقط لأنه أعاد ترتيب المديريات والأقسام والمصالح، بل لأنه استطاع أن يحدث أثرا ملموسا داخل المستشفى والمركز الصحي، وأن يغير تجربة المريض داخل المؤسسة الصحية و يعزز من جاذبية المرفق الصحي العمومي، وأن يصون كرامة من يشتغلون فيها. وبين الكثافة السكانية والامتداد الجغرافي، وبين المؤسسة الجامعية والمركز الصحي القروي، وبين القرار الإداري والحق في العلاج، ستتحدد القيمة الحقيقية للمجموعات الصحية الترابية: هل ستكون مجرد هندسة تنظيمية جديدة، أم مدخلا فعليا لبناء منظومة صحية أكثر عدلا ونجاعة وإنسانية؟
