Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

المؤثرون والإعلام الجديد والدولة: مثلث الفوضى وصناعة الولاء

في السنوات الأخيرة، لم يعد “المؤثر” مجرد شاب أو شابة يلهث وراء مشاهدات على “تيك توك” أو “إنستغرام”، بل صار ظاهرة سياسية–اجتماعية خطيرة. أصبح المؤثر أداة بيد الدولة، يُقدَّم كـ”إعلام بديل”، بينما هو في الحقيقة مجرد سلاح من أسلحة السيطرة والابتزاز، يُستخدم حين تحتاج المنظومة إلى أصوات تُطبّل، أو أقلام تُبرّر، أو جيوش تُهاجم من يجرؤ على النقد.

المؤثرون الذين يقتحمون الملاعب أو المؤسسات أو يتصدرون البرامج ليسوا صحفيين ولا مهنيين.

إنهم “مواطنون كلاب” بمعنى دقيق: ينبحون حيث يُطلب منهم، يهاجمون من تُشير إليهم السلطة، ويدافعون عن كل فاسد بغطاء “الوطنية” و”حرية التعبير“.

الإعلام الجديد الذي كان يفترض أن يكون فضاءً حُرًّا، صار مستنقعًا من النفاق الرقمي، حيث تُباع الرواية الرسمية بأرخص الأثمان، وتُشترى الولاءات باللايكات والمتابعات.

ما الذي يجعل المؤثر اليوم يقتحم ملعبًا أو يستعرض في حدث رسمي دون رادع؟

ليست جرأة شخصية، بل شبكة قوية مع المنظومة: صفقات في الكواليس، دعوات رسمية، دعم غير معلن، وغطاء قانوني يجعلهم فوق المساءلة.

المؤثر لا يملك سلطة بذاته، لكنه أداة، أداة تستعملها السلطة حين تحتاج صوتًا قذرًا يهاجم المعارضين، أو صورة مبتذلة تُسوّق الإنجازات، أو مشهدًا مضحكًا يُخفّف من الاحتقان الشعبي.

المؤثرون اليوم لا يكتفون بالظهور والتطبيل، بل يمارسون الابتزاز النفسي والمادي:

تهديد مسؤولين بنشر فيديوهات محرجة.

استعمال الجمهور كأداة ضغط.

تشويه سمعة الأصوات الحرة.

بهذا يتحوّل الإعلام الجديد من منصة للرأي الحر إلى عصا غليظة في يد السلطة، تُضرب بها كل من يرفض الاصطفاف.

حين يقتحم المؤثرون الملاعب، والمؤسسات، والشركات، يظن البعض أن الأمر مجرد فوضى. لكن الحقيقة أخطر:

إنها تجسيد لعلاقة غير متوازنة بين السلطة و”إعلامها الجديد”، علاقة تمنح فيها الدولة الشرعية لمراهقين رقميين ليصبحوا بدائل عن الصحافة، في حين يُحاصَر الصحفيون المهنيون وتُكمم أفواههم.

النتيجة:

جمهور يعيش على الإثارة الفارغة بدل المعلومة.

فضاء عمومي يُختطف من طرف الدجالين الرقميين.

دولة تستقوي بالفوضى الرقمية بدل بناء الثقة.

التحالف بين المؤثرين والإعلام الجديد والدولة ليس تحالفًا بريئًا، بل تحالف قذر لإدامة الفساد وتزيين الخراب.

المؤثر يبيع نباحه، الإعلام الجديد يقدّم الغطاء، والدولة تستعملهما كأدوات لضرب أي وعي أو مقاومة.

وهكذا، تُفرَّغ الكلمة من معناها، ويُستبدل النقد الحر بالابتذال، وتصبح الملاعب والشاشات مجرد مسرح تُدار فيه الفوضى بميزانية رسمية.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...