Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

القنيطرة .. حين يصبح «صفر درهم» عنوانا للنجاح، وتضيع أسئلة السلطة بين المنتخب والراعي

في السياسة، ليست كل الأرقام بريئة، ولا كل الأصفار متساوية.

هناك صفر يعني اقتصادا في النفقات، وصفر آخر قد يكشف، من حيث لا يريد أصحابه، عن أزمة في تعريف النجاح نفسه. وبين الصفرين مسافة واسعة اسمها: الحكامة.

من هنا، فإن الإعلان عن تنظيم سهرة عيد العرش بالقنيطرة دون تحميل ميزانية الجماعة نفقات مالية، بفضل مساهمة مستشهرين وشركاء، لا ينبغي أن ينتهي عند حدود التصفيق لفكرة «صفر درهم». فالخبر، في ظاهره، مالي؛ لكنه في جوهره سياسي ومؤسساتي، لأنه يفتح سؤالا أكبر من كلفة سهرة: كيف نريد للمؤسسة المنتخبة أن تظهر في المدينة؟ ومن يقود المشهد العمومي عندما تتقاطع الشرعية الانتخابية مع السلطة الترابية والقدرة الاقتصادية؟

لا أحد يمكنه أن يعترض، من حيث المبدأ، على أن يساهم القطاع الخاص في الحياة الثقافية والاجتماعية لمدينة ينتمي إليها. بل إن المدن الحديثة لا تنجح إلا بتعاون الدولة والجماعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. والمستثمر الذي يضع جزءا من إمكاناته في خدمة نشاط عام لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره خصما للمؤسسة، وإنما باعتباره شريكا محتملا في التنمية، متى ظلت قواعد الشراكة واضحة وشفافة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتغير المعادلة الرمزية. حين يصبح اسم الراعي أكثر لمعانا من اسم المشروع، وحين تتحول مساهمة اقتصادية مشروعة إلى واجهة للحدث، وحين يصبح «صفر درهم» أهم من السؤال حول مضمون السياسة المحلية، فإننا لا نكون أمام مسألة مالية فقط، بل أمام سؤال يتعلق بموقع المؤسسة المنتخبة داخل المجال العمومي. وهنا تحديدا ينبغي أن نتوقف.

فالمنتخب لا يستمد شرعيته من قدرته على جمع الرعاة، وإنما من صناديق الاقتراع. والراعي الاقتصادي، مهما كان حضوره وقوة إمكاناته، يستمد موقعه من قدرته الاقتصادية ومن مساهمته في المجتمع، لا من الشرعية السياسية. أما السلطة الترابية، فلها اختصاصاتها التي يحددها القانون، ولا ينبغي أن تختلط هذه المستويات الثلاثة في الوعي العام إلى درجة يصبح معها المواطن عاجزا عن معرفة: من يقود؟ ومن يساند؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

هذه ليست مسألة أشخاص. إنها مسألة مؤسسات. بل إنها، في عمقها، واحدة من الأسئلة الصعبة التي تواجه الديمقراطية المحلية في المغرب: كيف يمكن أن تتعايش سلطة الدولة الترابية مع الشرعية الانتخابية، وأن يساهم رأس المال الخاص في التنمية، من دون أن يطغى طرف على طرف، أو تتحول الشراكة إلى التباس في الأدوار؟

فالديمقراطية لا تقوم على إلغاء السلطة، ولا على إقصاء الاقتصاد، وإنما على ترتيب العلاقة بينهما وبين السياسة المنتخبة.

وهنا يصبح حضور السلطة الترابية في المشهد المحلي جزءا من السؤال نفسه. ليس لأن وجودها محل اعتراض، بل لأن قوة الدولة في المدينة لا ينبغي أن تعني ضعف المؤسسات المنتخبة. كما أن قوة الجماعة لا ينبغي أن تعني صدامها مع الإدارة الترابية. المطلوب هو شيء أكثر نضجا: تكامل لا يبتلع الاختصاصات، وتعاون لا يلغي المسؤوليات، وتنسيق لا يحول المؤسسة المنتخبة إلى مجرد متلق للمبادرات.

فاللامركزية، في فلسفتها، ليست مجرد توزيع إداري للمهام، وإنما نقل جزء من القدرة على صناعة القرار إلى المجال المحلي. ولذلك فإن قيمة المجلس المنتخب لا تكمن فقط في إدارة ما هو موجود، بل في قدرته على أن يقول: هذه رؤيتنا، وهذه أولوياتنا، وهذه مشاريعنا، وهذه مسؤوليتنا أمام المواطن.

ومن هنا يصبح شعار «صفر درهم» أقل أهمية من سؤال آخر: ما الذي فعلته المؤسسة؟

هل لديها مشروع ثقافي سنوي يجعل المدينة فضاء دائما للفن، أم أن الثقافة تظل مرتبطة بالمناسبات؟ هل لديها رؤية للفضاءات العمومية؟ هل تمتلك سياسة واضحة لجعل القنيطرة مدينة جاذبة للاستثمار والثقافة والسياحة الداخلية؟ هل هناك تصور متكامل للنقل، والبيئة، والحدائق، والرياضة، والشباب، والأسواق، وجودة الخدمات؟ ثم، قبل كل ذلك: هل يستطيع المواطن أن يرى بصمة المجلس المنتخب في حياته اليومية كما يراها في الصور والبلاغات والمناسبات؟

هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش، لا قيمة فاتورة سهرة واحدة. لأن المال العام ليس هو كل شيء. قد يكون المال العام مصانا، ومع ذلك تكون الحكامة ضعيفة. وقد تكون النفقات محدودة، لكن الرؤية غائبة. وقد تكون السهرة مجانية بالنسبة إلى ميزانية الجماعة، لكن السياسة المحلية ليست مجانية؛ لها ثمنها في الثقة، وفي القدرة على المبادرة، وفي قوة المؤسسات، وفي صورة المنتخب أمام المواطنين. وهنا تكمن المفارقة. يمكن أن تكون السهرة «بصفر درهم»، لكن الديمقراطية المحلية لا يمكن أن تكون «بصفر رؤية».

ولا يمكن للمؤسسة المنتخبة أن تجعل من عدم الإنفاق إنجازا قائما بذاته، لأن دورها ليس فقط حماية الميزانية، وإنما تحويل الموارد، مهما كان مصدرها، إلى قيمة عامة. وهذا يقودنا إلى سؤال الشراكة مع القطاع الخاص.

الرعاية ليست خطيئة، والمال الخاص ليس عدوا للمصلحة العامة. لكن المال، حين يدخل الفضاء العمومي، يحتاج إلى قواعد أكثر وضوحا، لا أقل. فمن حق المواطن أن يعرف طبيعة هذه الشراكات، وكيف اختير الشركاء، وما هي طبيعة الالتزامات، وكيف تحفظ المؤسسة استقلالية قرارها، وكيف تضمن تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين. فالشفافية ليست اتهاما لأحد.

إنها حصانة للجميع. والمساءلة ليست خصومة مع المستثمر. إنها حماية للمستثمر نفسه من أن يتحول دعمه للمجال العام إلى مادة للتأويل السياسي. كما أنها حماية للمؤسسة المنتخبة من أن تبدو وكأنها تستمد شرعيتها من المال الخاص بدل الناخبين.

لقد كان بيير بورديو شديد الانتباه إلى العلاقة بين رأس المال الاقتصادي والرأسمال الرمزي؛ فالمال لا يظل دائما مالا، بل يستطيع، حين يدخل المجال العام، أن يتحول إلى حضور واعتراف ومكانة وتأثير رمزي.

وفي المقابل، فإن يورغن هابرماس جعل من استقلال الفضاء العمومي عن الهيمنة الاقتصادية والسياسية شرطا أساسيا لسلامة النقاش الديمقراطي. لكن الدرس الأهم هنا ليس رفض المال، وإنما وضع المال في مكانه الصحيح. المستثمر يستثمر. السلطة الترابية تمارس اختصاصاتها. المجلس المنتخب يقود المشروع المحلي. والمواطن يراقب الجميع.

هذه هي المعادلة التي تجعل الديمقراطية المحلية ممكنة. أما عندما تصبح الحدود الرمزية بين هذه الأدوار ضبابية، فإن المشكلة لا تكون بالضرورة في وجود مخالفة أو خطأ، وإنما في صورة المؤسسة نفسها أمام الناس.

وهنا تحديدا يجب أن تكون المسؤولية أكبر على المنتخب. فالذي يمتلك الشرعية الانتخابية يمتلك أيضا واجب الدفاع عن استقلالية القرار المحلي، وعن وضوح موقع مؤسسته، وعن حق المواطنين في معرفة من يتحمل المسؤولية السياسية عن كل اختيار.

لا يكفي أن تقول المؤسسة: «لم ندفع». عليها أيضا أن تقول: «قررنا، وخططنا، ونفذنا، وسنحاسب». هذه هي اللغة التي تنتظرها الديمقراطية المحلية.

أما أن يتحول المجلس إلى مجرد واجهة للمناسبة، أو أن يتحول المستثمر إلى واجهة للتمويل، أو أن تتحول السلطة الترابية إلى واجهة للمبادرة، فذلك كله لا يصنع بالضرورة حكامة أفضل. ما يصنعها هو أن تعرف كل مؤسسة موقعها، وأن تمارس اختصاصها، وأن تتحمل مسؤوليتها.

والقنيطرة ليست مدينة عادية حتى تختزل تجربتها في سهرة أو راع أو رقم. إنها مدينة لها تاريخها الاقتصادي والجامعي والديمغرافي، وتعيش تحولات عميقة، وتحتاج إلى سياسة محلية بمستوى هذه التحولات. تحتاج إلى مشروع، لا إلى مناسبات فقط؛ وإلى رؤية، لا إلى شعارات؛ وإلى مؤسسات قوية، لا إلى صور قوية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يخرج من سهرة عيد العرش ليس: كم كلفت؟

بل:

ماذا تقول هذه السهرة عن نموذج الحكامة الذي نريده للقنيطرة؟

هل نريد جماعة تقيس نجاحها بما توفره من المال، أم بما تنتجه من قيمة عامة؟

هل نريد شراكة مع القطاع الخاص تدعم المؤسسة، أم حضورا اقتصاديا قد يطغى رمزيا على المبادرة العمومية؟

هل نريد سلطة ترابية قوية تتكامل مع المنتخب، أم نخشى من أن تضعف قوة الإدارة حضور السياسة المحلية؟

وهل نريد منتخبا يكتفي بإدارة اللحظة، أم منتخبا يمتلك شجاعة صناعة المستقبل؟

تلك هي الأسئلة التي تستحق النقاش. لأن المدينة لا تدار بالسهرة، ولا تبنى بالراعي، ولا تختزل في «صفر درهم». المدينة تدار بالمؤسسات. وتبنى بالرؤية. وتحيا بالثقة. والمال، سواء كان عاما أو خاصا، ليس سوى وسيلة.

أما الغاية، فهي أن يشعر المواطن بأن المدينة التي يعيش فيها تدار باسمه، وبمؤسسات يعرفها، وبمسؤولين يعرف من يحاسب منهم، وبقرار عمومي لا يحتاج إلى البحث عن صاحبه بين المنتخب، والسلطة، والمال.

وفي نهاية المطاف، قد يكون «صفر درهم» خبرا جيدا بالنسبة إلى الميزانية. لكن الخبر الأفضل بكثير هو أن يكون للمواطن صفر شك في استقلالية مؤسساته، وصفر التباس في المسؤوليات، وصفر مسافة بين ما يقال عن المدينة وما يعيشه سكانها.

وهنا فقط يصبح «صفر درهم» جزءا من الحكامة، لا بديلا عنها.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...