مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
قال الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو: “لكي لا يساء استعمال السلطة، يجب أن توقف السلطة السلطة.” ولم يكن يقصد فقط توزيع الاختصاصات داخل الدولة، بل كان يؤسس لفكرة أعمق: أن لكل مؤسسة حدودها، ولكل سلطة لغتها، ولكل موقع منطقه، وأن قوة الدولة لا تقوم على تداخل الأدوار، بل على احترام المسافات الفاصلة بينها.
ومن هنا، فإن اللحظة التي يغادر فيها رجل دولة موقعه الإداري ليلج المجال الحزبي ليست مجرد انتقال في المنصب، بل انتقال في طبيعة الشرعية ذاتها؛ من شرعية التعيين والثقة المؤسساتية إلى شرعية الاختيار الشعبي والمساءلة الديمقراطية.
فليست المعضلة في أن يدخل رجل دولة إلى السياسة، فالديمقراطيات العريقة عرفت انتقال رؤساء وزراء ووزراء ومحافظين وقادة إداريين إلى الأحزاب، بل إن ذلك يعد أحد مظاهر حيوية التداول بين الخبرة الإدارية والفعل السياسي. لكن الإشكال يبدأ عندما يعجز السياسي الجديد عن مغادرة عباءة الدولة، فيحملها معه إلى المنصة الانتخابية، ويجعل منها جزءا من رأسماله الرمزي في مخاطبة الناخبين.
وهنا يفرض اسم فوزي لقجع نفسه باعتباره حالة سياسية تستحق التأمل، ليس بسبب مساره الإداري والمالي الذي لا يختلف اثنان حول ثقله، ولا بسبب حضوره في ملفات استراتيجية كبرى، وإنما بسبب طبيعة الخطاب الذي اختاره في أول ظهور له بصفته قياديا حزبيا يخوض معركة سياسية وانتخابية.
لقد راكم الرجل، خلال سنوات، صورة “رجل الملفات الصعبة”، والمسؤول الذي يحظى بثقة المؤسسات العليا، وهي صورة صنعتها الكفاءة والانضباط والعمل داخل أجهزة الدولة. غير أن السياسة ليست امتدادا للإدارة، كما أن الحزب ليس إدارة مصغرة للدولة، لأن المواطن لا ينتخب مسؤولا إداريا، بل ينتخب رؤية، ومشروعا، وبرنامجا، وقدرة على الإقناع.
ومن هنا، بدا الانطباع الذي خلفته كلمته الأولى لافتا. فلم يكن الرجل يتحدث، في نظر كثيرين، بلسان سياسي يخوض أولى معاركه الانتخابية، بقدر ما بدا وكأنه لا يزال يتحدث من داخل المؤسسة التي غادر موقعه الإداري فيها.
كان حضور المؤسسة الملكية كثيفا، وعبارة “سيدنا” تتكرر بإيقاع واضح، والإحالات إلى التوجيهات الملكية والتعيينات والثقة الملكية تطغى على مساحة واسعة من الخطاب، حتى كاد الحديث عن المشروع السياسي، وعن المواطن، وعن البطالة، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية، وتفاوت الفرص، يصبح هامشيا مقارنة بحجم الإحالات إلى المرجعية المؤسساتية.
ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بالاعتراض على استحضار المؤسسة الملكية، فهي قلب النظام الدستوري المغربي، وضامن وحدة الدولة واستمرارها، وتحظى بمكانتها الجامعة التي لا ينازع فيها أحد.
لكن السؤال السياسي المشروع يظل قائما:
هل يحتاج المرشح، وهو يخاطب الناخبين، إلى استدعاء هذه المرجعية بهذا الحضور الكثيف؟ وهل يخوض السياسي الانتخابات بما يملكه من مشروع، أم بما يملكه من رصيد داخل الدولة؟
في الديمقراطيات الحديثة، لا تقاس قوة السياسي بمدى قربه من الدولة، بل بقدرته على إنتاج شرعية مستقلة عنها. فالسياسة ليست منافسة في إثبات القرب من مراكز القرار، وإنما منافسة في إقناع المواطنين بأن البرنامج المطروح هو الأقدر على تحسين حياتهم.
لقد كتب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن الدولة تحتكر وسائل السلطة المشروعة، بينما تستمد السياسة شرعيتها من المجتمع. وبين الشرعيتين مسافة دقيقة، لكنها ضرورية. فإذا اختلطت الحدود، ضعفت السياسة، وأسيء فهم الدولة.
فالدولة، في معناها الدستوري، تقف على مسافة واحدة من الجميع، بينما تتنافس الأحزاب داخل فضاء الاختيار الشعبي.
وعندما تختلط المسافتان، تتضرر السياسة والدولة معا؛ لأن المواطن قد يعتقد أن ميزان التنافس لم يعد قائما على البرامج والكفاءات، بل على درجات القرب من السلطة.
ولهذا فإن الناخب لا يتوجه إلى صندوق الاقتراع ليسأل:
من الأقرب إلى دوائر القرار؟ بل يسأل سؤالا أكثر بساطة، وأكثر قسوة في الوقت نفسه: من الأقرب إلى معاناتي؟ من يستطيع أن يجعل المدرسة أفضل؟ والمستشفى أكثر كرامة؟ والشغل أكثر عدالة؟ والقدرة الشرائية أقل إنهاكا؟ والعيش أكثر أمنا واستقرارا؟
إن السياسة لا تربح بالرموز وحدها، وإنما بالأفكار. ولا تقاس بعدد مرات استحضار المؤسسات، وإنما بقدرة السياسي على إنتاج معنى جديد للمستقبل.
ولهذا بدا الخطاب، رغم زخمه الإنشائي، فقيرا من حيث المضمون السياسي. فلم يقدم قراءة دقيقة لاختلالات المرحلة، ولا أجوبة واضحة عن أسئلة التنمية، ولا تصورا اقتصاديا أو اجتماعيا يميز الحزب عن منافسيه. كان الحديث عن المرجعية أكثر من الحديث عن المشروع.
وعن التعيين أكثر من الحديث عن الاختيار. وعن الأعلى أكثر من الحديث عن الأسفل. وكأن الخطاب كان يبحث عن شرعية جاهزة، بدل أن يصنع شرعيته بنفسه. وهنا تكمن المفارقة.
ففوزي لقجع، في الحقيقة، لا يحتاج إلى إثبات أنه رجل دولة؛ فالمغاربة يعرفون موقعه، ويعرفون تجربته في تدبير ملفات مالية ورياضية واستراتيجية معقدة. لكن الامتحان الذي ينتظره اليوم مختلف تماما. إنه امتحان القدرة على التحول من مسؤول إداري ناجح إلى سياسي قادر على إنتاج خطاب مستقل، لا يستند إلى الرصيد الإداري وحده، ولا إلى قوة المنصب السابق، وإنما إلى قوة الفكرة، والبرنامج، والحجة.
لقد ميزت حنة آرندت بين السلطة والقوة، معتبرة أن السلطة الحقيقية تنبع من قبول الناس، لا من الموقع الذي يحتله الفرد داخل مؤسسات الدولة.
والسياسي الحقيقي، في منطق آرندت، هو الذي يطلب موافقة المواطنين، لا الذي يكتفي باستحضار القوة الرمزية للمؤسسات.
أما أنطونيو غرامشي، فقد كتب أن “الأزمة تبدأ عندما يحتضر القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد.”
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه التجربة السياسية المغربية اليوم هو أن يستمر بعض الفاعلين في ممارسة السياسة بعقلية الإدارة، وأن يخوضوا المنافسة الانتخابية بمنطق القرب من الدولة، لا بمنطق القرب من المجتمع.
وقد علمنا مونتسكيو أيضا أن المؤسسات تصبح قوية عندما يعرف كل فاعل حدود موقعه. فالدولة أكبر من الأحزاب. وأبقى من الحكومات. وأسمى من الحسابات الانتخابية.
والمؤسسة الملكية ليست في حاجة إلى من يثبت قربه منها في المنصات الحزبية، لأنها، دستوريا وسياسيا، فوق التنافس الانتخابي، وضامن لاستمرار الدولة ووحدة الأمة، لا طرف في المنافسة بين الأحزاب.
ومن ثم، فإن إقحامها -ولو بحسن نية- في خطاب انتخابي كثيف الإحالات قد يربك الحدود التي حرص البناء الدستوري المغربي على ترسيخها بين الدولة والمجال الحزبي، ويمنح خصوم العملية السياسية مبررات إضافية للتشكيك في تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
لقد عرف التاريخ السياسي، في المغرب كما في غيره، شخصيات نافذة امتلكت سلطة واسعة ونفوذا كبيرا داخل أجهزة الدولة، لكن الزمن الانتخابي كان دائما أكثر قسوة من الزمن الإداري. فالسلطة تمنح الموقع. أما السياسة، فلا تمنح إلا لمن يقنع الناس. في الإدارة، يقاس النجاح بحسن التنفيذ. أما في السياسة، فيقاس بحسن الإقناع. في الإدارة، تمنحك الدولة المسؤولية. أما في السياسة، فلا يمنحك المواطن ثقته إلا إذا شعر أنك تتحدث بلغته، وتحمل همومه، وتمتلك مشروعا يتجاوز سيرتك الذاتية ورصيدك الشخصي.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي أمام فوزي لقجع اليوم ليس أن يثبت أنه رجل دولة، فقد حسمت سنوات عمله هذا النقاش، وإنما أن يثبت أنه رجل سياسة كامل الملامح، قادر على خوض الانتخابات بالأدوات السياسية وحدها، وبالوسائل الديمقراطية وحدها، وبقوة المشروع لا بقوة الصورة.
ويبقى السؤال الذي لن تجيب عنه المنصات الخطابية، ولا البلاغة السياسية، بل ستجيب عنه صناديق الاقتراع وحدها:
هل سيصوت المغاربة لفوزي لقجع لأنه كان رجل دولة ناجحا؟ أم لأنه استطاع أن يقنعهم بأنه أصبح أيضا رجل سياسة يحمل مشروعا واضحا للمستقبل؟
وكما قال ونستون تشرشل: “السياسة ليست لعبة شعبية، لكنها امتحان دائم للشجاعة.”
وأول مظاهر هذه الشجاعة أن يقف السياسي أمام المواطنين بما يملك من أفكار، لا بما يملك من قرب.
لأن التاريخ لا يتذكر كثيرا من الذين اقتربوا من السلطة، لكنه يتذكر دائما أولئك الذين اقتربوا من الناس.
وفي النهاية، لا تصنع الديمقراطية قرب السياسي من دوائر القرار، بل تصنعها قدرته على الاقتراب من المواطن، وإقناعه بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
وبين شرعية التعيين وشرعية الاختيار، وبين هيبة الدولة وفضاء السياسة، وبين الرصيد الإداري والثقة الشعبية، تكمن المسافة التي لا ينبغي لأي ديمقراطية ناضجة أن تسمح بتذويبها، لأنها المسافة التي تحمي الدولة من التسييس، وتحمي السياسة من الارتهان، وتحمي المواطن من أن يتحول حقه في الاختيار إلى مجرد تصديق على ما سبق أن قررته السلطة.
وتلك، في النهاية، هي القضية الحقيقية التي يطرحها هذا النقاش، بعيدا عن الأشخاص، وأقرب إلى سؤال بناء الديمقراطية نفسها.
