مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
آخر خبر
في تجربة إنتاجية استثنائية امتزجت فيها الرغبة في توثيق الذاكرة بالتضحيات الشخصية، كشف المخرج والمنتج المغربي عبد الحق نجيب عن تفاصيل مثيرة بشأن إنجاز فيلمه السينمائي «الهاربون من تندوف»، معلنا أن الناخب الوطني السابق وليد الركراكي قدم مساهمة مالية بقيمة 12 مليون سنتيم لدعم المشروع، بعدما علم بالصعوبات التي واجهها فريق العمل لتأمين ميزانية الإنتاج.
ولا تتوقف قصة الفيلم عند مضمونه المرتبط بشهادات مغاربة عاشوا تجربة الاحتجاز بمخيمات تندوف وتمكنوا من الفرار والعودة إلى المغرب، بل تمتد إلى ظروف إنجازه، بعدما اضطر صاحبه إلى تعبئة موارده الخاصة والاستعانة بمقربين، في ظل غياب الدعم المؤسساتي الذي كان يعول عليه لتوفير شروط إنتاج عمل سينمائي بهذا الحجم.
وأوضح نجيب أن مساهمة الركراكي جاءت بمبادرة شخصية، عقب توصله بمعطيات حول الأزمة المالية التي يمر منها المشروع، مضيفا أن المبلغ شكل سندا مهما في مرحلة دقيقة من مراحل الإنتاج، رغم محدوديته مقارنة بالتكاليف الإجمالية لإنجاز الأفلام السينمائية.
وكشف المخرج أن العمل اعتمد أساسا على التمويل الذاتي، بمساهمة المنتجة إيمان القنديل، إلى جانب قروض ومساعدات مالية قدمها عدد من الأصدقاء، من بينهم أطباء. كما بلغت التضحيات، بحسب تصريحه، حد بيع بعض لوحاته الفنية والتخلي عن منزل كان يتوفر عليه، من أجل توفير السيولة الضرورية لمواصلة التصوير.
ورغم هذه الإكراهات، تمكن فريق الإنتاج من إنجاز الفيلم بمشاركة 128 شخصا، أكد نجيب أنهم توصلوا جميعا بمستحقاتهم، في إشارة إلى حرصه على الوفاء بالالتزامات المهنية تجاه العاملين في المشروع.
وراء هذا العمل السينمائي مسار طويل من الاهتمام بشهادات العائدين من مخيمات تندوف. فالفكرة، كما يروي نجيب، تعود إلى نحو عقدين، حين أجرى خلال اشتغاله في المجال الصحفي لقاءات مع مغاربة تمكنوا من العودة إلى وطنهم، واستمع إلى رواياتهم بشأن سنوات الاحتجاز وما رافقها من معاناة ومحاولات للنجاة.
وكان لقاؤه بعدد من هؤلاء الناجين، ومن بينهم عبد الله لمني الذي أصبح صديقا له، نقطة تحول في علاقته بالموضوع، بعدما قطع وعدا بتحويل تلك التجارب إلى فيلم سينمائي متى أتيحت له الفرصة.
وبعد سنوات من الاحتفاظ بالفكرة، قرر نجيب العودة إلى المشروع، مستندا إلى شهادات مباشرة ولقاءات متواصلة مع أشخاص عاشوا تلك الوقائع، بهدف بناء عمل يستحضر التجربة من داخل الذاكرة الإنسانية لأصحابها.
ينقل الفيلم مشاهد من معاناة مغاربة أمضوا سنوات طويلة في الاحتجاز، قبل أن يخوضوا رحلة شاقة عبر الصحراء لاستعادة حريتهم والعودة إلى وطنهم. وهي رحلة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل مواجهة قاسية مع الجوع والعطش والخوف والمجهول.
ويقول المخرج إن التحدي الأكبر تمثل في كيفية نقل فظاعة التجارب التي عاشها الناجون دون تحويل الفيلم إلى استعراض للمشاهد الصادمة، موضحا أن بعض أشكال التعذيب التي تحدث عنها أصحاب الشهادات يصعب تجسيدها بالصورة، وهو ما دفعه إلى توظيف الصمت والموسيقى وبناء المشاهد للتعبير عن عمق المعاناة.
ومن بين القصص التي يستحضرها العمل تجربة شخص قضى 45 سنة في تندوف، قبل أن ينجح في الفرار وقطع الصحراء خلال 17 يوما، في رحلة تطلبت قدرة كبيرة على التحمل ومعرفة دقيقة بالوسط الصحراوي.
ومن خلال هذه الشهادات، يسعى الفيلم إلى تقديم صورة عن الثمن الإنساني الذي دفعه أشخاص عاشوا سنوات من الأسر، وعن إرادة النجاة التي ظلت حاضرة رغم قسوة الظروف.
وبالتوازي مع طموحه في الوصول إلى الجمهور المغربي، يعمل فريق الفيلم على توسيع دائرة عرضه دوليا. وفي هذا السياق، أفاد نجيب بأن «الهاربون من تندوف» سبق أن عُرض في جنيف أمام هيئة معنية بحقوق الإنسان، وحصل على جائزتين، فيما يجري التحضير لتوزيعه في عدد من البلدان الأوروبية، من بينها إسبانيا وألمانيا والنمسا وهولندا وبلجيكا.
كما تشمل الخطط المستقبلية الوصول إلى الولايات المتحدة وكندا ودول من أمريكا اللاتينية، مستفيدا من إعداد نسخ مترجمة إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية، فضلا عن العمل على تكييف النسخة الموجهة إلى الجمهور المصري باللهجة المصرية.
ويرى المخرج أن توسيع نطاق التوزيع من شأنه أن يتيح لشريحة أكبر من المشاهدين الاطلاع على هذه التجارب، خصوصا أن الفيلم يتناول موضوعا يتقاطع فيه البعد الوطني مع الأسئلة الإنسانية والحقوقية.
وبالنسبة إلى نجيب، فإن «الهاربون من تندوف» ليس مجرد استعادة لوقائع من الماضي، بل محاولة لإخراج شهادات ظلت محدودة الحضور في الإنتاج السينمائي المغربي إلى دائرة النقاش العام، وإبراز معاناة أشخاص عاشوا تجربة الاحتجاز والفرار، من خلال لغة الفن والسينما.
وبين مساهمة مالية من وليد الركراكي، وتضحيات شخصية للمخرج والمنتجة، وشهادات ناجين انتظرت سنوات طويلة لتجد طريقها إلى الشاشة، يقدم الفيلم نفسه باعتباره مشروعا سينمائيا راهن على الذاكرة الإنسانية، في وقت يطمح فيه صناعه إلى أن تتجاوز رسالته حدود العرض المحلي وتصل إلى جمهور دولي.
