Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الإرهاب: المغرب بين التهديد الداخلي ومدّ يد العون للدول الشقيقة

بقلم: زهير داودي، صحافي

انطلاقا من أن المغرب مهدّد في أمنه الداخلي من طرف الجماعات الإرهابية التي بدأت بتنظيم “القاعدة”، مرورا بفرعه في المغرب العربي، ولن تنتهي بتنظيم “الدولة الإسلامية”… فقد شكلت الخلية التي تم تفكيكها مؤخرا دلالة أخرى على جدية التهديدات التي ما فتئت هذه المنظمات الإرهابية توجّهها للمملكة. فبعد مبايعة تنظيم “جند الخلافة” لما يسمى “خليفة المسلمين” المدعو أبو بكر البغدادي، تمت تعبئة الخلايا النائمة في المغرب من أجل تشكيل فرع محلي مهمته ضرب المصالح الحساسة واستهداف شخصيات مغربية وأجنبية.

ومن باب التذكير، فإن المغرب اكتوى أكثر من غيره بنار هذه الآلة الإجرامية في عدة مدن استراتيجية كمراكش والدارالبيضاء ومكناس… ولولا الألطاف الإلهية ويقظة الأجهزة الأمنية، لتمكن هؤلاء المجرمون الإرهابيون من زعزعة أمن واستقرار وسكينة المغاربة.

إن تعليمات جلالة الملك محمد السادس من أجل إقرار وأجرأة المخطط الوطني (حذر)، هي دليل جديد على وعي السلطات العليا بهذا الخطر الذي يترصد بالبلاد، وبضرورة إعمال أعلى درجات الحزم لمواجهته، واتخاذ كل التدابير اللازمة حتى لاتكون المملكة هدفا لكل من سوّلت له نفسه ضرب استقرارها وطمأنينتها.

ومادام أن المغرب قد قام بكل ما تستلزمه الظرفية حفاظا على المنشآت والأشخاص، فقد بات من البديهي أن يمدّ يد المساعدة للبلدان الشقيقة والصديقة التي ترى فيه نموذجا في محاربة الظواهر الإرهابية، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة. 

 

 “الدعم الذي سيقدمه المغرب للإمارات العربية المتحدة في إطار مكافحتها للإرهاب، تنفيذا للتعليمات الملكية السامية، يشكل مبادرة تضامنية وعملا إراديا إزاء بلد شقيق تجمعه بالمملكة علاقات استراتيجية وأخوية متينة، ولكنه لا يندرج في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وإنما في إطار التعاون الثنائي”، يستشف ويفهم من هذا التصريح الذي جاء على لسان صلاح الدين مزوار، وزير الشؤون الخارجية والتعاون (الأربعاء 29 أكتوبر)، أن أبوظبي هي من بادر إلى التقدم بطلب ترقية التعاون الأمني والاستخباراتي مع الرباط إلى مستويات أعلى.

وبالمثل، بادر المغرب واتخذ قرارا سياديا أكّد من خلاله أنه سيدعم أمنيا هذه الدولة العربية في حربها على الإرهاب. ويمكن القول إن هذا القرار يستند إلى عدة معطيات ليس أقلها الثقة المتعاظمة لأبوظبي في نجاعة ومهنية الأجهزة الإستخباراتية والأمنية المغربية وطنيا، ثنائيا، إقليميا ودوليا. والعرض المفصل الذي قدمه ياسين المنصوري، مدير المخابرات الخارجية، في لقاء حول الإرهاب نظم مؤخرا في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، يجسّد هذه المهنية والنجاعة، ف”اليقظة الأمنية” للرباط منذ سنة 2002 مكنت من “اعتقال 2676 إرهابيا، من بينهم 266 عادوا للإرهاب من جديد”.

وتبعا لذلك، يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: لماذا اتخذ حكام الإمارات، بوعي واقتناع، قرار التعاون في ملف حسّاس مع المغرب الذي تربطه بدول مجلس التعاون الخليجي شراكة إستثنائية؟

وكان من الممكن أن يطلبوا، طواعية وبدون حرج، خبرة دول غربية لها باع طويل في التعاطي مع الجرائم الإرهابية الدولية. لماذا لم يقع اختيار أبوظبي على الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا…؟ سؤال يملك جوابه رئيس دولة الإمارات، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

ومن الجلي، إذن، أن الصفحة الجديدة في كتاب التعاون المغربي- الإماراتي في مجال الأمن، تستحضر وخاصة من جانب أبوظبي نتائج وفعالية الحرب الاستباقية التي تخوضها الرباط في مكافحة الإرهاب منذ سنوات، وأساسها القراءة السياسية والميدانية المتأنية والدقيقة لمجمل التطورات والتحولات التي تعرفها بلدان الجوار في شمال إفريقيا ودول الساحل جنوب الصحراء خاصة على مستوى الأوضاع الأمنية، والتي أضحت  بسبب التوترات السياسية والمشاكل السوسيو-اقتصادية، تربة خصبة للجماعات الإرهابية والعمليات التكفيرية الإجرامية العابرة للحدود والاتجار في الأسلحة والمخدرات والبشر.

كما أن الدولتين، وانطلاقا من تجنيد العديد من مواطنيهما في جماعات دموية متطرفة وشبكات إرهابية، خلصتا إلى أن التعاون الثنائي المرتكز على أسس راسخة من الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة، يشكل أداة فعالة بل ومؤثرة في سياق الحرب الدولية ضد بؤر نشأة وتمركز ونمو الإرهاب المتجاوز للحدود القطرية.

والمتتبع لمسار التعاون بين المغرب والإمارات منذ العام 1971 (تاريخ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما)، لا يجد أدنى صعوبة في فهم الطلب المتنامي لصناع القرار في أبوظبي على الخبرة المغربية في عديد من القطاعات، فأول اتفاق للتعاون الثنائي همّ الميدان الصناعي و وقّع في الرباط في شهر غشت من العام 1974. وبعد ذلك، توالت الاتفاقيات في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتعاون الثقافي والعلمي والتقني والتعاون القضائي والإنابات القضائية وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين… إلخ. كما أن دولة الإمارات تقوم، منذ عقود، بدعم ملموس وسخي لمجهودات التنمية في المملكة، سواء عن طريق منح حكومية أو عبر قروض ميسرة من صندوق أبوظـبي للتنميـة.


وعندما نستمع إلى صلاح الدين مزوار وهو يقول إن “مسلسلا جاريا للتنسيق مع العديد من دول الخليج، وأن المغرب مستعد لتحمل مسؤولياته في تقديم الدعم الضروري للبلدان الشقيقة”، فإن العديد من المراقبين لمسار تطور الشراكة الإستراتيجية بين المغرب والبلدان الستة المكوّنة لمجلس التعاون الخليجي، لايستبعدون أن يتم الإعلان في الأفق المنظور عن تقديم الدّعم الأمني والاستخباراتي من طرف الرباط لكل من الرياض والمنامة، فالأخطار الإرهابية التي تتهدّد المغرب هي نفسها التي تواجه الإمارات وكل الشركاء الخليجيين، سواء تعلق الأمر بتنظيمي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية” أو بجماعات غير معروفة.

واستنادا إلى هذه التحديات الأمنية المشتركة والرهانات المتقاطعة، فإن المغرب على استعداد لتقاسم تجربته مع أشقاءه الخليجيين، بما في ذلك المساهمة في تقوية أسس بناء المؤسسات الأمنية ودعم القدرات الموجهة  لتعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط المشتعل من جميع النواحي.

إن محاربة العمل الإرهابي الجبان الذي لا ملة له ولا دين، والذي ضرب المغرب كما دول الخليج ومختلف دول العالم، أضحت لدى المملكة هدفا استراتيجيا تعمل على تحقيقه عبر تكثيف التعاون الثنائي مع دول شقيقة وصديقة، علما أنها كانت سباقة، وفقا لتعهداتها الإقليمية والدولية، إلى التفاعل المسؤول والعقلاني مع معضلات الأمن في الفضاء الأورو- متوسطي وفي دول الساحل والصحراء، والدعوة المتجددة إلى اعتماد استراتيجية واضحة بآليات مضبوطة للتعاون وبرامج نفعية تسهم في تحقيق التنمية بما يحصّن الشباب من السقوط في آفات التطرف والتكفير والكراهية والإرهاب.

ماهو واضح أن قرار الدعم الأمني المغربي للإمارات الذي لا يدخل في إطار التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن في مواجهة “الدولة الإسلامية”، يؤكد أن التعاون الثنائي بين الدول في عالمنا المتحول، يحتاج لتطويره في مجالات شتى إلى إحداث آلية دائمة للتشاور وتبادل المعلومات، مع العمل على إنشاء منظومة للإنذار المبكر، وتحقيق تناغم بين النظم القانونية المتعلقة بمحاربة الإرهاب ومراقبة أمن الحدود، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف ذات الصلة. والتجربة الرائدة التي راكمتها الرباط ومدريد في هذا المجال، تغري بالاقتداء.

فمن ألزم الدولة الإسبانية بتوشيح جهاز مراقبة التراب الوطني، في شخص مديره العام عبد اللطيف حموشي، بوسام استحقاق رفيع؟ ألم تكن النتائج الإستثنائية التي حققها المغرب على الأرض في حربه الاستباقية على الشبكات الإرهابية التي كانت ومازالت تستهدف الرباط ومدريد، هي من فرض احترام الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية على الجار الشمالي؟

العبرة بمضمون النتائج في إطار حوار سياسي منتظم ومنفتح وإيجابي بين الجارين اللذين تجاوزا، بحكم المصالح المتبادلة والقرب الجغرافي، كل سياسة تطبعها الأنانية الوطنية المرتكزة على تقدير ضيق لمصالح بلدان المنطقة كل على حدة. هذا أمر مؤكد.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...