مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليس الأمر مجرد مقال رأي آخر في موسم انتخابي مزدحم، ولا مجرد موقف سياسي عبر عنه أحمد الشرعي، الرئيس المدير العام لمجموعة «غلوبال ميديا»، حين أعلن بوضوح انحياز مجموعته إلى ما سماه «المشروع الحداثي التقدمي الذي يحمله حزب الأصالة والمعاصرة». المسألة، في تقديري، أوسع من ذلك بكثير، لأنها تضع أمامنا سؤالا قديما ـ جديدا حول الإعلام والسلطة وصناعة الشرعية والصورة السياسية: ماذا يحدث عندما يقرر صاحب مؤسسة إعلامية أن ينتقل من موقع مراقبة المنافسة السياسية إلى موقع الإعلان الصريح عن الطرف الذي يرى فيه حاملا لمشروع معين؟
الشرعي لم يترك موقفه في المنطقة الرمادية التي اعتادت عليها بعض المؤسسات الإعلامية. لقد سمى الحزب، وسمى المشروع، وشرح أسباب الاختيار، ثم حرص في الوقت نفسه على القول إن الأمر لا يتعلق بـ«توجيه للتصويت» ولا بـ«اصطفاف حزبي ضيق»، وإنما بـ«دعم واع ومسؤول لخيار واضح». وهنا تحديدا تبدأ المسألة الحقيقية.
فالشفافية في إعلان الموقف السياسي ليست، في حد ذاتها، مشكلة. بل يمكن النظر إليها باعتبارها أكثر وضوحا من ممارسة أخرى أكثر التباسا، تتمثل في إخفاء المصالح والرهانات السياسية خلف خطاب مهني محايد ظاهريا، بينما يجري في الكواليس ترتيب العلاقة مع هذا الحزب أو ذاك، عبر الإشهار أو التغطية الانتقائية أو غيرها من أشكال التأثير. لكن الاعتراف بالانحياز لا يلغي مسؤولية السؤال عن حدوده.
فالمؤسسة الإعلامية حين تقول إنها تنحاز إلى حزب سياسي خلال حملة انتخابية، فإنها لا تقدم نفسها فقط باعتبارها صاحب رأي؛ إنها تدخل، ولو بصورة غير مباشرة، في معركة إنتاج المعنى السياسي. إنها لا تكتفي بتقديم المعلومات للناخب، وإنما تساهم في تعريف ما تعتبره «مشروعا حداثيا»، وما تعتبره «خيارا تقدميا»، ومن ثم في بناء صورة سياسية حول الحزب المعني.
وهذا أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بحزب الأصالة والمعاصرة تحديدا، لأنه لا يخوض انتخابات 2026 من موقع حزب خارج السلطة، وإنما باعتباره أحد مكونات الأغلبية الحكومية الحالية، ويقدم نفسه انتخابيا باعتباره صاحب برنامج للتغيير وإعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية والاقتصادية.
لذلك لا يكفي أن نسأل: هل الأصالة والمعاصرة حزب حداثي أم لا؟
السؤال الأكثر جدية هو: ما الذي يجعل حزبا ما مستحقا لوصف «المشروع الحداثي التقدمي»؟ وهل تكفي الهوية التأسيسية والخطاب السياسي والاختيارات المعلنة لكي يصبح هذا الوصف حقيقة سياسية مكتملة؟ هنا ينبغي أن ينتقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الاختبار.
فالحداثة السياسية لا تقاس فقط بموقف حزب من المحافظة أو بالتعبير عن الانفتاح الثقافي والاجتماعي، كما لا تقاس فقط بقدرته على تقديم نفسه باعتباره نقيضا للتيارات المحافظة. إنها تختبر أيضا في المؤسسات، وفي الحكامة، وفي احترام التعدد، وفي العلاقة مع الإدارة، وفي الشفافية، وفي القدرة على تحويل البرامج إلى سياسات عمومية، وفي توزيع ثمار التنمية على المجال والمواطن، وفي قدرة الحزب على ممارسة السلطة دون أن يتحول الحزب إلى مجرد شبكة للنفوذ. وهنا يصبح نص الشرعي نفسه معيارا يمكن مساءلته به. فهو يقول إن الرهان المقبل هو «تحقيق الوصل ونقل الأثر»، أي نقل الطموح الملكي إلى صلب الأداء الحكومي، وتوجيه ثمار المشاريع الكبرى نحو عمق المجالات الترابية، وتحويل القوة الوطنية الشاملة إلى رفاه فردي وارتقاء في حياة المواطنين. هذه ليست جملة انتخابية عابرة. إنها، في الحقيقة، اختبار سياسي كامل.
فإذا كان المطلوب هو نقل أثر المشاريع الكبرى إلى المواطن، فإن السؤال يصبح: ماذا عن المواطن الذي لا يرى تلك المشاريع إلا في نشرات الأخبار؟ ماذا عن الجهات التي تمتلك مؤهلات هائلة لكنها تصطدم بالتدبير الإداري البطيء؟ ماذا عن الشباب الذي يطلب فرصة لا خطابا؟ ماذا عن المقاولة الصغيرة، والفلاح، والبحار، والعامل، وساكن العالم القروي، والمواطن الذي يريد مستشفى ومدرسة وإدارة تعمل بالسرعة نفسها التي تتحرك بها المشاريع الكبرى؟ وهنا تتقاطع «الحداثة» مع الواقع.
فالبرنامج الانتخابي الذي قدمه حزب الأصالة والمعاصرة يضع التشغيل والقدرة الشرائية وإدماج الشباب والخدمات العمومية والأمن الطاقي والمائي والغذائي ضمن أولوياته، ويعد بمليون منصب شغل صاف خلال الولاية المقبلة.
لكن الانتخابات ليست مسابقة في إنتاج البرامج، وإنما امتحان في قابلية البرامج للتحول إلى نتائج قابلة للقياس.
وهذا هو المكان الذي ينبغي أن تبدأ منه الصحافة، حتى عندما تختار الانحياز إلى مشروع سياسي: أن تكون عينها أكثر صرامة على المشروع الذي تؤيده، لا أقل.
فالانحياز، إذا كان معلنا، ينبغي ألا يتحول إلى إعفاء من المساءلة. بل ربما العكس هو الصحيح.
إذا أعلنت مؤسسة إعلامية دعمها لمشروع سياسي، فإن عليها أن تكون أول من يسأل هذا المشروع عن وعوده، وأول من يتتبع أرقامه، وأول من يضع قياداته أمام حصيلتها، وأول من يقارن بين الخطاب والممارسة. وإلا فإن «الدعم الواعي والمسؤول» قد يتحول، من حيث لا يريد أصحابه، إلى مجرد صناعة صورة سياسية.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها.
الشرعي يقول إن موقف مجموعته لا يمثل «توجيها للتصويت». من الناحية القانونية والسياسية، يجب بالفعل التمييز بين التعبير عن موقف سياسي وبين ممارسة ضغط غير مشروع على إرادة الناخبين. فالقواعد المنظمة للحملة الانتخابية المغربية تركز على حماية حرية التصويت وتكافؤ الفرص، وتحظر وسائل التأثير غير المشروعة، كما تخضع نفقات الحملات للمراقبة. لكن المسألة الإعلامية لا تنتهي عند القانون. هناك أيضا أخلاق المهنة.
فالناخب لا يحتاج فقط إلى معرفة من تؤيد المؤسسة الإعلامية، بل يحتاج أيضا إلى معرفة أين ينتهي الخبر ويبدأ الرأي، وأين تنتهي التغطية الصحفية ويبدأ الدعم السياسي، وأين تنتهي قراءة البرنامج وتبدأ صناعة الصورة.
وهذا يفتح سؤالا آخر أكثر عمقا: هل يمكن لمؤسسة إعلامية أن تكون منحازة سياسيا، وفي الوقت نفسه محافظة على مسافة مهنية صارمة في تغطيتها لبقية الفاعلين؟
نعم، من حيث المبدأ يمكن الفصل بين الموقف التحريري والتغطية الخبرية، لكن ذلك يحتاج إلى قواعد واضحة ومعلنة، وإلى ممارسة يومية تثبت أن الانحياز السياسي لم يتحول إلى انتقائية إعلامية.
وهنا لا ينبغي أن نغفل السياق الذي تجري فيه انتخابات 2026.
الأحزاب المشكلة للأغلبية الحالية ــ التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال ــ تدخل الاستحقاق في مواجهة مع أحزاب المعارضة، فيما يواجه المشهد السياسي أيضا مشكلة أوسع تتعلق بثقة الشباب وبالفجوة بين النمو الاقتصادي والشعور الفردي بتحسن شروط الحياة. وقد سلطت تقارير حديثة الضوء على هذه الفجوة وعلى تحدي عزوف الشباب عن السياسة والانتخابات.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط بين حزب وآخر. إنها أيضا معركة حول من يملك القدرة على إقناع المواطن بأن السياسة ما زالت قادرة على تغيير حياته؟
ومن هذه الزاوية، يصبح مقال «خيار الحداثة» مناسبة لإعادة طرح السؤال القديم الذي لم يحسمه الإعلام المغربي بعد: هل وظيفة الصحافة أن تكون مرآة للسياسة، أم سلطة نقدية عليها، أم شريكا فكريا في إنتاج مشروع سياسي؟ لا توجد إجابة واحدة بالضرورة. لكن هناك فرقا كبيرا بين أن تقول الصحيفة: «هذا الحزب يقدم برنامجا أراه أقرب إلى تصورنا للمستقبل»، وبين أن تتحول المؤسسة الإعلامية كلها إلى جزء من ماكينة صناعة الشرعية الانتخابية لذلك الحزب.
الأولى ممارسة للرأي. أما الثانية فتحتاج إلى مساءلة مستمرة حول الحدود الفاصلة بين الإعلام والسياسة.
ولعل المفارقة الأكبر أن «الحداثة» التي يجري الدفاع عنها لا ينبغي أن تكون حداثة حزب فقط، بل حداثة في ممارسة السياسة نفسها. حداثة تقبل النقد. حداثة لا تخاف من السؤال. حداثة لا تختزل المواطن في صوت انتخابي. حداثة لا تقيس النجاح بعدد المقاعد وحده، بل بما يحدث بعد الوصول إلى المؤسسات. وحداثة تجعل من الإعلام حليفا للمجتمع في مراقبة السلطة، لا مجرد حليف للسلطة في بناء صورتها.
لهذا، فإن موقف أحمد الشرعي يستحق النقاش ليس لأنه أعلن تأييده للأصالة والمعاصرة فحسب، وإنما لأنه أعاد، بشكل صريح، وضع العلاقة بين الإعلام والسياسة أمام المرآة.
وإذا كان من حق المؤسسة الإعلامية أن تختار مشروعا سياسيا وتعلن ذلك، فإن من حق المجتمع، بالمقابل، أن يسألها عن ثمن هذا الاختيار وحدوده، وأن يراقب إن كان هذا الانحياز سيظل انحيازا للفكرة أم سيتحول إلى انحياز للأشخاص، وللنفوذ، وللنتيجة الانتخابية.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يكون للإعلام موقف. المشكلة تبدأ عندما يصبح الموقف بديلا عن المسافة النقدية.
فالسياسة تحتاج إلى الإعلام كي تشرح نفسها، والإعلام يحتاج إلى السياسة كي يفهم حركة المجتمع، لكن الديمقراطية تحتاج إلى المسافة بينهما كي لا يتحول الشرح إلى تبرير، ولا النقد إلى دعاية، ولا المشروع إلى صورة.
وفي انتخابات 2026، حيث تطرح شعارات التغيير والحداثة والتنمية والدولة الاجتماعية بقوة، سيكون الاختبار الحقيقي بعد 23 شتنبر: ليس من قال إنه يحمل مشروعا حديثا، وإنما من يستطيع أن يجعل المواطن يلمس أثر هذا المشروع في حياته اليومية.
وهنا فقط تنتقل الحداثة من المقالة إلى الواقع، ومن الخطاب إلى السياسة، ومن الصورة إلى الأثر.
