مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست الصورة مجرد لحظة عابرة التقطتها عدسات الهواتف، وليست الواقعة مجرد تدخل أمني لتطبيق قرار إداري أو تنفيذ حكم قضائي. فحين يقف رجل بسيط، يحمل قضيبا حديديا في مواجهة عشرات الخوذ والدروع، ثم يلتفت إلى الكاميرات مبتسما قائلا: “صور… صور البطل اللي مشى للحبس على أرضو…”، فإننا لا نكون أمام شخص يبحث عن البطولة، بل أمام إنسان يشعر أن آخر ما بقي له هو أن يروي حكايته قبل أن تكتب عنه رواية أخرى.
ذلك المشهد لا يخص رجلا واحدا، ولا دوارا بعينه، بل يختزل مأساة اجتماعية تتكرر في أكثر من مكان، حين تتحول الأرض من مصدر للعيش إلى سبب للصدام، ويصبح الفلاح، الذي كان عبر التاريخ عنوان الاستقرار، طرفا في معركة لم يخترها.
في التاريخ الإنساني كله، لم تكن الأرض مجرد عقار. كانت هوية وذاكرة وامتدادا للعائلة. لذلك كتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن الملكية تبدأ حين يختلط جهد الإنسان بالأرض، بينما اعتبر جان جاك روسو أن أول من أحاط قطعة أرض بسياج وقال: “هذه لي”، كان يؤسس لبداية صراعات طويلة بين البشر.
أما في المغرب، فالعلاقة بالأرض تتجاوز النصوص القانونية. إنها جزء من الوجدان الجماعي، ومن الاقتصاد القروي، ومن التوازن الاجتماعي. ولذلك فإن أي نزاع حولها لا يبقى نزاعا عقاريا فحسب، بل يتحول إلى سؤال سياسي وحقوقي وإنساني في آن واحد.
المشهد الذي تناقلته وسائل التواصل لم يكن قاسيا بسبب المواجهة فقط، بل لأن صوتا آخر اخترق الضجيج كله. كانت طفلة تصرخ من خلف سيارة رمادية: “تا ديوني يانا، وما تديوش با للحبس.”
في تلك الجملة القصيرة تختصر كل تقارير الطفولة وحقوق الإنسان. فالطفلة لا تعرف تفاصيل الملف، ولا حيثيات القرار، ولا مقتضيات القانون. هي فقط ترى أن أباها ينتزع من حضن الأسرة. وهنا تتحول القضية من ملف إداري إلى جرح إنساني.
وليس من قبيل المبالغة القول إن المجتمعات تقاس أيضا بطريقة إدارتها لآلام مواطنيها، لا فقط بصرامة تطبيقها للقانون. فالقانون الذي يفقد بعده الإنساني يتحول إلى نص بارد، بينما العدالة الحقيقية هي التي تنجح في تحقيق التوازن بين هيبة الدولة وكرامة الإنسان.
من الناحية الحقوقية، لا يمكن لأي مجتمع ديمقراطي أن يستغني عن احترام الأحكام القضائية، لكن في المقابل لا يمكن أن يغيب النقاش حول الظروف التي تجعل مواطنا بسيطا يرى في السجن ثمنا للدفاع عن أرض يعتبرها حياته كلها.
إن المواثيق الدولية لا تتحدث فقط عن حماية الملكية، بل تتحدث أيضا عن الحق في العيش الكريم، وعن ضرورة مراعاة الأبعاد الاجتماعية في تدبير النزاعات، خاصة حين يتعلق الأمر بالفئات الهشة.
أما سياسيا، فإن أخطر ما في مثل هذه الوقائع أنها تعمق الفجوة بين المواطن والمؤسسات إذا لم تواكب بخطاب واضح، وبوساطات فعالة، وبسياسات استباقية تمنع وصول النزاعات إلى لحظة الانفجار.
فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على تنفيذ القرارات، وإنما أيضا بقدرتها على منع أسباب الاحتقان قبل أن تتحول إلى مواجهات يتصدرها الخوف والغضب.
اقتصاديا، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فالفلاح الصغير اليوم يعيش بين مطرقة ارتفاع كلفة الإنتاج وسندان الجفاف وتقلبات الأسواق، ثم يجد نفسه أحيانا وسط نزاعات عقارية تزيد هشاشته هشاشة.
إن الاقتصاد القروي ليس مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل هو استقرار ملايين الأسر. وكل تصدع يصيب هذا العالم الصامت ينعكس على الهجرة الداخلية، وعلى البطالة، وعلى الأمن الغذائي، وعلى التوازنات الاجتماعية بأكملها.
ولذلك فإن حماية الفلاح ليست عملا خيريا، بل استثمار في استقرار الدولة نفسها.
المفارقة أن الرجل الذي وصف نفسه بالبطل لم يكن يحمل مظهرا بطوليا بالمعنى التقليدي. كان يرتدي قميصا أبيض غطاه غبار الأرض، ولم يكن أحد متأكدا مما كتب عليه. ربما كان اسم شركة تونسية، وربما مجرد علامة تجارية عابرة.
لكن القميص لم يكن هو الرسالة. الرسالة كانت في التراب العالق عليه. فالتراب هنا لم يكن وسخا، بل شهادة انتماء. وربما لهذا السبب بقيت صورته أكثر حضورا من أي بيان أو تعليق.
لقد علمتنا التجارب التاريخية، من ثورات الفلاحين في أوروبا إلى انتفاضات الريف الزراعي في أمريكا اللاتينية، أن الأرض حين تتحول إلى مصدر للإحساس بالظلم تصبح السياسة مطالبة بإيجاد الحلول قبل أن يتكفل بها الغضب.
ولعل المغرب، وهو الذي راكم تجربة مهمة في المصالحة والوساطة وإدارة الملفات الحساسة، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتطوير مقاربات تجعل العدالة أكثر قربا من الإنسان، وتجعل التنمية أكثر قدرة على حماية الفئات الهشة، وتجعل الحوار يسبق الصدام.
في النهاية، قد يختلف الناس حول تفاصيل القضية، وقد تختلف الروايات القانونية والإدارية، لكن الجميع سيتفق على أن صورة الأب وهو يبتسم للكاميرا، وصوت ابنته وهي تستجدي ألا يؤخذ إلى السجن، سيظلان أقوى من كثير من الخطب.
لأن الأمم لا تحفظ فقط انتصاراتها، بل تحفظ أيضا صورها المؤلمة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع، دولة ومجتمعا ومؤسسات: كيف نحمي القانون، دون أن نخسر الإنسان؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، لأن قوة الدول لا تقاس بعدد الخوذ والدروع، بل بقدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأن العدالة، حتى وهي تطبق القانون، لا تنسى القلب.
