Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين يفضح التسريب ما تخفيه الزعامة .. الطالبي العلمي يعيد ترتيب الأحجام داخل “البام”

ليست كل التسريبات مجرد أخطاء في الحساب أو لحظات عابرة تفلت فيها الكلمات من أصحابها. بعض التسريبات، مهما كانت ملابساتها، تتحول إلى مرآة سياسية؛ لا لأنها تقول بالضرورة الحقيقة كاملة، وإنما لأنها تكشف شيئا من الحقيقة التي تحاول السياسة، عادة، أن تخفيها خلف البيانات والخطابات والصور الجماعية.

ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو قراءة التسريب المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي أكثر إثارة مما جرى تداوله حوله خلال الساعات الماضية.

فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس فقط: ماذا قال الطالبي العلمي؟ بل سؤال أكثر أهمية: ماذا كشف قوله عن موازين القوة داخل حزب الأصالة والمعاصرة؟

هنا تحديدا تصبح المسألة أكبر من تسريب، وأعمق من سجال عابر بين قيادات حزبية. لأن أكثر من ينبغي أن يتوقف عند مضمون هذا التسريب، سياسيا، ليست بالضرورة الشخصية التي خرج منها الكلام، ولا حتى الشخصية التي كان الحديث عنها، وإنما فاطمة الزهراء المنصوري. والسبب بسيط في ظاهره، عميق في دلالته.

التسريب، إذا قرئ بعيدا عن الضجيج، منح فوزي لقجع شيئا لا تمنحه البيانات الحزبية عادة: كشف عن صورته كما يراها الخصوم. وهذه نقطة بالغة الأهمية في السياسة.

فالسياسي قد يبالغ في وصف نفسه، وقد يفعل حزبه الشيء نفسه، وقد تصنع له التنظيمات الحزبية صورة القائد والزعيم والوجه القادر على قيادة المرحلة. لكن الاختبار الحقيقي للحجم السياسي لا يأتي من الحلفاء، بل من الخصوم.

وفي هذا السياق، بدا لقجع، كما ظهر من مضمون التسريب المتداول، أكثر من مجرد اسم جديد داخل “البام”. بدا باعتباره شخصية أصبح لها وزن يتجاوز موقعها التنظيمي، وشخصية يحسب لها حساب داخل المشهد السياسي الوطني، إلى درجة أن الحديث عنها يأخذ منحى استشرافيا يتعلق برئاسة الحكومة. وهنا تكمن المفارقة.

فوزي لقجع لم يحتج، في هذه الحالة، إلى إعلان نفسه مرشحا لرئاسة الحكومة، ولم يحتج إلى حملة داخلية تقول إنه رجل المرحلة، ولم يحتج إلى منصة حزبية تقدم سيرته باعتباره مشروع رئيس حكومة. يكفي أن يتحدث عنه خصومه بهذه اللغة حتى تبدأ الصورة في التشكل. وهذا هو المعنى السياسي الأخطر في التسريب. فالسلطة الرمزية لا تقاس فقط بما يقوله المرء عن نفسه، وإنما بما يضطر خصومه إلى قوله عنه.ومن هنا يصبح الغياب أكثر دلالة من الحضور.

اسم فاطمة الزهراء المنصوري، التي توجد في قلب القيادة السياسية والتنظيمية لـ”البام”، لم يكن حاضرا في الصورة التي رسمها التسريب بالقدر الذي كان متوقعا، خصوصا إذا استحضرنا النقاشات السابقة حول مستقبل الحزب، ومن يمكن أن يكون في موقع قيادة الحكومة إذا تغيرت موازين التحالفات بعد الاستحقاقات المقبلة. وهذا الغياب ليس تفصيلا صغيرا.

في السياسة، كما في التاريخ، ليست الكلمات وحدها هي التي تقول شيئا؛ حتى الصمت له جغرافياه وموازينه ودلالاته.

فالمنصوري تمتلك بلا شك رصيدا سياسيا وتنظيميا مهما، وتحضر في واجهة الحزب منذ سنوات، كما أن موقعها داخل “البام” يجعلها إحدى الشخصيات الأساسية في معادلة القيادة. لكن المشكلة التي أعاد التسريب طرحها ليست في شرعية موقعها التنظيمي، وإنما في سؤال آخر أكثر حساسية:

هل الزعامة التنظيمية هي نفسها الزعامة التي تنتجها موازين القوة السياسية؟

وهنا ينبغي التمييز بين شيئين غالبا ما تختلط حدودهما في الحياة الحزبية المغربية: من يقود الحزب، ومن يستطيع أن يقود الدولة.

فالأول يحتاج إلى تنظيم، ومؤتمر، وهياكل، وتحالفات داخلية. أما الثاني فيحتاج إلى شيء أكثر تعقيدا: شبكة ثقة سياسية، وقدرة على إنتاج التوازنات، وامتلاك أوراق تفاوضية، وقبول يتجاوز حدود التنظيم الذي ينتمي إليه صاحبه.

ولذلك فإن التسريب لا يقدم فوزي لقجع باعتباره رئيسا مقبلا للحكومة؛ سيكون ذلك استنتاجا متسرعا. لكنه يكشف، في المقابل، أن اسم لقجع أصبح موجودا في منطقة سياسية لا يصل إليها أي مسؤول بسهولة: منطقة الأسماء التي تناقش بوصفها قادرة على التأثير في شكل المرحلة المقبلة. وهذه وحدها رسالة سياسية ثقيلة.

والأكثر إثارة أن الأمر يتعلق بشخصية لم تأت إلى “البام” من المدرسة الحزبية التقليدية، ولم تبن صعودها السياسي عبر المسار التنظيمي الكلاسيكي وحده، وإنما جاءت من فضاء آخر صنعت فيه حضورا وطنيا ودوليا، قبل أن تدخل إلى قلب معادلة حزبية كانت تبحث أصلا عن توسيع نفوذها.

ولذلك فإن التحاق لقجع بـ”البام” لم يكن مجرد انتقال شخص من موقع إلى آخر. كان، منذ البداية، إعادة توزيع محتملة للوزن داخل الحزب. وهذا ما يجعل التسريب مهما سياسيا.

فإذا كان الحزب يمتلك قيادة معلنة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: أين توجد القوة الفعلية؟ وهل أصبحت بعض الأسماء تمتلك من النفوذ ما يجعل موقعها السياسي أكبر من موقعها التنظيمي؟ إنها أسئلة لا تجيب عنها المؤتمرات الحزبية وحدها.

فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست هندسة للمناصب، وإنما هندسة للقوة. ومن الخطأ قراءة هذا التطور باعتباره انتصارا شخصيا للقجع وهزيمة شخصية للمنصوري. المسألة أعمق من ذلك. لأن الذي انكشف، في الحقيقة، هو أن “البام” دخل مرحلة جديدة من تركيبته الداخلية؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال فقط عن من يتولى القيادة، وإنما عن من يملك القدرة على تحويل القيادة إلى مشروع سياسي وطني.

وهنا يمكن فهم لماذا يمثل لقجع، بالنسبة إلى بعض خصومه، رقما صعبا. الرجل لا يتحرك فقط داخل المجال الحزبي، بل يحمل معه رصيدا مؤسساتيا ورياضيا ودوليا، ويتقاطع اسمه مع ملفات كبرى تتجاوز حدود العمل الحزبي الضيق. وهذه المعطيات تمنحه نوعا مختلفا من الحضور السياسي.

لكن في المقابل، فإن هذا الوزن لا يعني تلقائيا أنه الأكثر أهلية لرئاسة الحكومة. فالطريق إلى رئاسة الحكومة لا يمر عبر التسريبات، ولا عبر رغبة الخصوم في صناعة صورة سياسية لشخص ما، وإنما عبر صناديق الاقتراع، والنتائج، والتحالفات، والقبول السياسي، والقدرة على بناء أغلبية وبرنامج حكومي قابل للحياة.

غير أن السياسة تبدأ أحيانا قبل الانتخابات بكثير. تبدأ عندما تشرع النخب في تخيل من يمكن أن يقود المرحلة. وهنا تحديداً تكمن أهمية ما جرى.

إذا كان اسم لقجع قد ظهر في حديث من هذا النوع، فإن ذلك يعني أن الرجل لم يعد مجرد فاعل داخل “البام”، بل أصبح جزءا من حسابات مستقبلية تتجاوز الحزب نفسه.

أما المنصوري، فإن التحدي أمامها لا يتمثل في الرد على التسريب، ولا في الدخول في سجال شخصي مع الطالبي العلمي أو لقجع. التحدي الحقيقي أمامها هو أن تثبت أن الزعامة التي تحملها تنظيميا قادرة على إنتاج وزن سياسي مواز في المجال الوطني. وهذا لا يتحقق بالخطاب. يتحقق بالقدرة على إدارة الحزب، وتوسيع نفوذه، وضبط تناقضاته، وإنتاج خطاب انتخابي مقنع، وصناعة شبكة سياسية قادرة على تحويل “البام” من حزب يشارك في الحكومة إلى حزب يستطيع أن ينافس على قيادتها.

وهنا يصبح السؤال أكبر من فاطمة الزهراء المنصوري وفوزي لقجع.

إنه سؤال حول طبيعة المرحلة المقبلة برمتها.

فالمغرب مقبل على استحقاقات ستعيد ترتيب المشهد الحزبي، وليس بالضرورة وفق الترتيبات التي تبدو اليوم ثابتة. والأحزاب التي تبدو قوية في الصور الجماعية قد تكتشف، عندما تبدأ ساعة الحقيقة الانتخابية، أن القوة ليست دائما في عدد الوجوه التي تجلس حول الطاولة، وإنما في مقدار الثقة التي يستطيع الحزب تحويلها إلى أصوات.

ومن هنا، فإن التسريب قد يكون قد فعل شيئا لم يكن في حسبان صاحبه. لقد نقل النقاش من من يقود “البام”؟ إلى سؤال أكثر إحراجا: من يستطيع أن يقود “البام” إلى رئاسة الحكومة؟

والفارق بين السؤالين هو بالضبط الفارق بين الزعامة الحزبية والزعامة السياسية. لذلك، فإن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه “البام” هو أن يتعامل مع المسألة باعتبارها أزمة تواصلية يجب احتواؤها.

فالأزمات التواصلية تنتهي بانتهاء الضجيج. أما الأسئلة التي تكشفها الأزمات، فتبقى. والسؤال الذي تركه هذا التسريب خلفه لن يختفي بسهولة:

هل نحن أمام حزب تقوده الزعامة المعلنة، أم أمام حزب بدأت موازين القوة داخله تنتج زعامة أخرى؟

في السياسة، لا تكفي الصورة الرسمية دائما لفهم الحقيقة. أحيانا تحتاج إلى تسريب. وأحيانا، وهذا أخطر، تحتاج فقط إلى أن تلاحظ من ذكر، ومن لم يذكر.

وربما لهذا السبب تحديدا، فإن التسريب الذي ظن البعض أنه سيضع فوزي لقجع في دائرة الحرج، قد يكون فعل العكس تماما: رفع منسوب حضوره السياسي، وفتح أمامه سؤال المستقبل، وفي الوقت نفسه وضع فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار أكبر بكثير من مجرد الدفاع عن موقعها داخل الحزب. لقد أعاد التسريب ترتيب الأحجام، ولو رمزيا. والانتخابات المقبلة وحدها ستخبرنا إن كان ذلك مجرد انعكاس عابر على سطح السياسة، أم أن المغرب بدأ فعلا يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل خرائط الزعامة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...