مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
أخر خبر
صدر مؤخرًا عن المركز المغربي للمواطنة تقرير حديث يرصد واقع السلوك المدني بالمغرب، كشف عن خلل عميق في علاقة المغاربة بهويتهم الدينية من جهة، وسلوكهم اليومي في الفضاء العام من جهة أخرى. التقرير، الذي اعتمد على استطلاع إلكتروني شمل 1173 مشاركًا، أماط اللثام عن مفارقات صادمة تُظهر أن التديّن الذي يفتخر به المغاربة لم ينجح في ضبط سلوكهم العام، بل يبدو أنهم يعيشون أزمة أخلاقية غير معلنة تهدد النسيج المجتمعي وتسيء لصورة المغرب داخليًا وخارجيًا.
الأرقام الواردة في التقرير لا تترك مجالًا للشك؛ 93% من المشاركين أكدوا أن احتلال الملك العام أصبح سلوكًا مألوفًا، و92% يعتبرون التسول، بما في ذلك تسول الأطفال، ظاهرة مقلقة. أما الغش التجاري فبلغ بحسب المستجوبين نسبة 83%، فيما اعترف 74% بانتشار رمي الأزبال في الشوارع، و70% بتخريب تجهيزات الفضاء العام. علاقات الجوار والاحترام المتبادل هي الأخرى لم تسلم من التدهور، حيث لا يتجاوز احترام الجيران نسبة 44%، بينما لا يرى سوى 52% احترامًا مقبولًا تجاه النساء. أما مظاهر النظام والانضباط كاحترام قوانين السير، الطوابير، والهدوء العام، فتعيش تراجعًا حادًا يؤشر على حالة فوضى سلوكية مستشرية.
وتزداد خطورة هذه المؤشرات في ظل اقتراب المغرب من احتضان تظاهرة عالمية بحجم كأس العالم 2030، حيث عبّر العديد من المشاركين في الاستطلاع عن تخوفهم من أن تسيء بعض السلوكيات إلى صورة البلاد. من بين أبرز الظواهر التي رُصدت باعتبارها تهدد سمعة المغرب: الغش التجاري بنسبة 85%، ضعف النظافة العامة (82%)، تسول الأطفال (77%)، وغياب المراحيض العمومية النظيفة (74%). كما سُجّلت ملاحظات أخرى بشأن ضعف خدمات النقل، انتشار التحرش، وعدم احترام الطوابير. وبينما يرى 23% أن كأس العالم قد يسهم في تحسين السلوك المدني، يعتقد 37% أن تأثيره سيكون محدودًا، وهو ما يعكس فقدان الثقة في قدرة الدولة على إحداث التغيير.
أما عن الجهات المسؤولة عن هذا الواقع، فقد حمّل التقرير المسؤولية بالدرجة الأولى للأسرة بنسبة 80%، تليها المدرسة بـ60%، مع الإشارة إلى أن هاتين المؤسستين فشلتا في أداء دورهما في التربية على السلوك المدني. كما نبه التقرير إلى ضعف تطبيق القانون، حيث يرى ثلثا المستجوبين أن الحكومة لا تبذل جهودًا كافية لفرض احترام النظام، مما يكرس الإفلات من العقاب. وضمن المفارقات اللافتة، رغم أن 44% من المشاركين يعتبرون أن الدين يؤثر في السلوك المدني، إلا أن الأرقام تظهر أن هذا التأثير محدود للغاية، ما يعيد إلى الواجهة إشكالية “التدين الشكلي”، أي المظهر الديني الذي لا ينعكس على الممارسة.
وإذا كان الواقع بهذا القدر من التدهور، فإن المركز المغربي للمواطنة يقترح خريطة طريق للخروج من الأزمة، من خلال توصيات شملت دمج التربية على المواطنة في المناهج الدراسية، تقوية دور الأسرة، إطلاق حملات توعية واسعة، تفعيل القانون بعدالة وصرامة، تأهيل الفضاءات العمومية، تحسين الخدمات الأساسية، وأخيرًا استثمار مونديال 2030 كفرصة لإطلاق حملة وطنية للسلوك الحضاري.
في النهاية، يظهر جليًا أن المغرب يعيش مفارقة مؤلمة: مجتمع يرفع شعار الغيرة على الدين، لكنه لا يترجمه إلى سلوك يومي يُعبّر عن احترام للبيئة، القانون، والآخر. فالاحتلال غير المشروع للملك العام، قبول الغش والتسول، والسكوت عن الفوضى، كلها سلوكيات لا يمكن أن تُعزى لفرد أو فئة، بل هي نتاج أزمة مجتمعية عميقة تحتاج إلى علاج جذري يبدأ من التربية ولا ينتهي عند الصرامة القانونية. وإذا كان المغاربة فعلاً يغيرون على دينهم، فليكن ذلك في الشارع قبل أن يكون في الشعارات
