مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم يكن قرار المحامين تعليق”إضرابهم المفتوح” واستئناف العمل بمحاكم المملكة مع بداية الأسبوع الجاري حدثا مهنيا عاديا. فقد جاء عقب لقاء جمع ممثلي أصحاب “البدلة السوداء” برئيس الحكومة عزيز أخنوش، وهو لقاء وصف بالمفاجئ، بل واعتبره البعض تحولا في مسار أزمة اتخذت أبعادا مؤسساتية وسياسية معقدة.
بلاغ جمعية هيئات المحامين أشار إلى أن رئيس الحكومة هو من طلب هذا اللقاء. وهنا تبدأ الأسئلة المشروعة: لماذا الآن؟ ولماذا تدخل رئيس الحكومة مباشرة في ملف ظل يدار، إلى حدود قريبة، بين الهيئات المهنية ووزارة العدل؟ وهل نحن أمام وساطة دولة لتجاوز “بلوكاج” مؤسساتي، أم أمام إعادة تموقع سياسي داخل بيت حكومي تتنازعه حسابات دقيقة؟
بداية، لا يمكن إنكار مشروعية احتجاج المحامين. فجسم الدفاع، تاريخيا، لعب أدوارا طلائعية في الدفاع عن الحريات، وعن استقلال القضاء، وعن ضمانات المحاكمة العادلة. ومن حقه أن يضرب، ومن حقه أن “يذود عن رسالة الدفاع” كما ورد في النص المرجعي.
لكن النص نفسه يذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن الذي عجل باللقاء “ليس هو الرغبة الجدية في فك هذا البلوكاج”، بل اعتبارات أخرى. هنا يتحول التحليل من المهني إلى السياسي.
تدخل رئيس الحكومة، شئنا أم أبينا، لا يمكن فصله عن السياق العام: نحن في “خريف الولاية”الحكومية، على مشارف سنة انتخابية (2026)، والتحالف الحكومي يعيش توترات صامتة وعلنية في آن واحد. أي مبادرة كبيرة تقرأ اليوم بعدسة التوازنات داخل الأغلبية، لا فقط بعدسة المصلحة القطاعية.
في قلب هذه المعادلة يقف وزير العدل، وقيادي حزب الأصالة والمعاصرة، عبد اللطيف وهبي، بوصفه المسؤول الحكومي المباشر عن القطاع.
النص يتحدث عن احتمال “التهديد بالاستقالة من وزارة العدل أو من الحكومة نفسها إذا لم يحل مشروع القانون على البرلمان ابتداء من الإثنين القادم”، في إشارة إلى حجم الاحتقان الذي بلغته العلاقة بين مكونات الحكومة حول مشروع قانون يهم المهنة.
إذا صح هذا المعطى، فنحن لا نكون أمام خلاف تقني حول صياغة قانون، بل أمام أزمة ثقة داخل الأغلبية. إذ كيف يعقل أن يبارك رئيس الحكومة قرارات في مجالس دستورية، ثم يتهم لاحقا بـ”نسفها” أو إعادة النظر فيها تحت ضغط سياسي أو انتخابي؟
هذا يضع وهبي في موقع حرج:
• من جهة، هو وزير العدل المسؤول عن تنزيل الإصلاحات.
• ومن جهة أخرى، هو حليف في تحالف حكومي يقوده أخنوش.
• ومن جهة ثالثة، هو زعيم حزب يسعى بدوره إلى تثبيت موقعه في معادلة 2026.
النص لا يتردد في وصف ما يجري بـ”صراع حاد داخل البيت الحكومي”، بل يتحدث عن “إغلاق الهواتف” و”أزمة سياسية” كامنة. قد تبدو هذه اللغة حادة، لكنها تعكس شعورا عاما بأن الانسجام الحكومي لم يعد كما كان في بدايات الولاية.
في التجارب الديمقراطية، ليس عيبا أن تختلف مكونات التحالف. العيب أن يتحول الاختلاف إلى صراع شخصي أو إلى سباق مبكر نحو إعادة رسم التحالفات، كما ألمح النص إلى “تفصيل خريطة التحالفات للحكومة المقبلة”، حتى لو استدعى الأمر التحالف مع شخصيات كانت إلى وقت قريب خارج الحسابات.
هنا يصبح تدخل رئيس الحكومة في ملف المحامين قابلا لقراءتين:
1. قراءة مؤسساتية إيجابية:
رئيس الحكومة مارس صلاحياته في التنسيق والتحكيم بين القطاعات، لتفادي شلل العدالة، واحتواء أزمة تمس حقوق المتقاضين.
2. قراءة سياسية نقدية:
التدخل لم يكن بريئا بالكامل، بل حمل بعدا سياسيا، هدفه إعادة ضبط موازين القوة داخل الأغلبية، أو تحجيم نفوذ وزير بعينه، أو توجيه رسائل مبكرة في أفق الانتخابات.
أخطر ما في النص قوله: “أخشى أن تكون الأمور أشبه بالهدوء الذي قد يسبق العاصفة”.
هذه العبارة تختزل جوهر اللحظة السياسية: تسوية أزمة مهنية لا تعني بالضرورة انتهاء التوتر السياسي.
فإذا كان تعليق الإضراب خبرا سارا للمواطنين وللمتقاضين، فإن الأسئلة العميقة تبقى معلقة:
• هل حلت جذور الخلاف أم تم تأجيلها؟
• هل استعيد الانسجام الحكومي أم تم فقط ترميم صورته؟
• وهل ستصمد هذه التهدئة أمام الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟
النص يسأل: “ماذا نسمي هذا كله؟.. بالتأكيد يمكن أن نسميه أي شيء إلا أن نسميه انسجاما حكوميا.”
قد يكون الحكم قاسيا، لكن الوقائع تشير إلى أن التحالف الحكومي دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة التموضع والاستعداد المبكر لمعركة 2026. وفي مثل هذه المراحل، تتحول كل أزمة قطاعية إلى اختبار سياسي، وكل مبادرة إلى رسالة مشفرة.
في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي ليس فقط في من كسب جولة داخل الأغلبية، بل في قدرة الحكومة على إدارة خلافاتها داخل المؤسسات، دون أن تتحول إلى صراعات تضعف الثقة في العمل السياسي برمته.
أما المحامون، فقد عادوا إلى قاعات المحاكم.
لكن السياسة… ما زالت في قاعة الانتظار.
