Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الدولة الاجتماعية .. وعود كبيرة ومواطن في آخر الصف

ليست المشكلة في المغرب أن الأسعار ترتفع فحسب، بل أن الغلاء أصبح جزءا من الحياة اليومية للمواطن، بينما يبدو أن الدولة تتعامل معه باعتباره معطى اقتصاديا لا يمكن تغييره، أو أزمة عابرة يكفي تدبير آثارها ببعض الدعم والإجراءات الظرفية. وبينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر، تتسع المسافة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الدولة الاجتماعية، والواقع الذي يضع ملايين المغاربة أمام سؤال بسيط وقاس: كيف يمكن العيش بكرامة في اقتصاد ترتفع فيه كلفة الحياة بوتيرة أسرع من الأجور والدخول؟

الدولة الاجتماعية ليست شعارا في خطاب ملكي، ولا فصلا في برنامج حكومي، ولا صندوقا للدعم يفتح كلما اشتد الضغط. إنها، قبل كل شيء، اختيار سياسي يعيد ترتيب الأولويات، ويضع حماية المجتمع في قلب القرار الاقتصادي، لا في هامشه. أما حين يصبح المواطن مطالبا بالتكيف الدائم مع الغلاء، فيما تظل القطاعات الأكثر ربحية بمنأى عن مساءلة حقيقية، فإننا نكون أمام دولة تدير آثار الاختلال أكثر مما تعمل على معالجة أسبابه.

في ملف المحروقات، تبدو المفارقة أكثر وضوحا. فالدولة التي تملك أدوات التشريع والتنظيم والمراقبة، لا تزال عاجزة، أو غير راغبة، في إقناع المغاربة بأنها قادرة على وضع حد لتغول الأسعار وهوامش الأرباح في سوق استراتيجية تمس كل تفاصيل حياتهم. لا تسقيف للأرباح، ولا حل جذري لملف مصفاة “لاسامير”، ولا سياسة واضحة تمنح البلاد هامشا أكبر من الاستقلالية في التخزين والتكرير، فيما يستمر المواطن في أداء فاتورة التقلبات الدولية والمحلية، حتى حين لا تكون العلاقة بينهما بالوضوح الذي يروج له.

وكلما ارتفعت الأسعار، حضرت لغة التبرير: الأسواق الدولية، التوترات الجيوسياسية، كلفة النقل، اضطراب سلاسل الإمداد. وهي عوامل لا يمكن إنكار تأثيرها، لكنها لا تصلح لتكون جوابا دائما عن سؤال المنافسة والشفافية وهوامش الربح. فالدولة ليست مجرد متفرج على السوق، ولا وظيفة المؤسسات العمومية أن تشرح للمواطن لماذا يدفع أكثر، بل أن تضمن ألا تتحول حاجاته الأساسية إلى مجال مفتوح للاستغلال.

ثم إن الغلاء لا يتوقف عند المحروقات. الخضر والفواكه واللحوم والأسماك، وهي منتجات يفترض أن تمنح المغرب ميزة بلد غني بموارده وموقعه ومناخه، أصبحت في كثير من الأحيان أبعد من متناول الأسر محدودة ومتوسطة الدخل. هنا تتداخل اختلالات الإنتاج والتوزيع، وارتفاع كلفة الوساطة، وضعف المراقبة، وتفاوت العرض، مع توسع التصدير في بعض المنتجات، بما يطرح سؤالا مشروعا حول ترتيب الأولويات: هل المطلوب أن يظل المغرب منصة لتزويد الأسواق الخارجية بأجود منتجاته، بينما يجد مواطنوه صعوبة في اقتنائها بأسعار معقولة؟

ليس المطلوب إغلاق الأسواق أو محاربة التصدير، ولا تحميل الفلاح وحده مسؤولية أزمة مركبة، بل بناء سياسة توازن بين مصالح المنتجين والمصدرين وحق المستهلك المغربي في الغذاء بأسعار عادلة. فالأمن الغذائي لا يقاس فقط بحجم الإنتاج أو قيمة الصادرات، وإنما أيضا بقدرة المواطن على الوصول إلى الغذاء، وبمدى استقرار السوق الداخلية، وبوجود آليات فعالة تمنع المضاربة والاختلالات غير المبررة.

والمفارقة أن الدولة تبدو أكثر قدرة على التحرك حين يتعلق الأمر بإنقاذ قطاعات أو دعم فاعلين اقتصاديين، لكنها تصبح شديدة الحذر عندما يكون المطلوب حماية القدرة الشرائية أو فرض قواعد أكثر صرامة على المستفيدين من السوق. الدعم هنا، والدعم هناك، وإعفاءات وتسهيلات في مكان آخر، بينما يظل السؤال معلقا: ما الذي يحصل عليه المواطن مباشرة من كل هذه السياسات؟ وأين تنتهي المصلحة العامة، وأين تبدأ حماية المصالح الخاصة؟

إن دعم المهنيين ليس خطأ في حد ذاته، بل قد يكون ضروريا للحفاظ على استمرارية بعض القطاعات وحماية فرص الشغل. لكن الدعم يفقد معناه الاجتماعي حين لا يربط بالتزامات واضحة، ولا ينعكس على الأسعار أو جودة الخدمات أو أوضاع العاملين. أما أن تتحمل المالية العمومية كلفة الدعم، ثم يترك المواطن أمام الأسعار نفسها، فذلك ليس تضامنا اقتصاديا، بل نقل للكلفة من جيب إلى آخر، مع إبقاء المستفيد النهائي خارج الحساب.

وإذا كانت الحكومة ترفع شعار الدولة الاجتماعية، فإن الامتحان الحقيقي ليس في عدد البرامج التي تعلنها، بل في أثرها على الحياة اليومية. ماذا يعني تعميم الحماية الاجتماعية إذا كان العلاج يستنزف دخل الأسرة؟ وما قيمة الدعم المباشر إذا كانت الزيادة في أسعار الغذاء والنقل والسكن تلتهمه قبل نهاية الشهر؟ وأي معنى للحديث عن تحسين شروط العيش، بينما يجد الموظف والأجير والمتقاعد أنفسهم في سباق دائم مع الأسعار، لا يملكون فيه سوى تقليص حاجاتهم وتأجيل ما يمكن تأجيله؟

الأخطر من الغلاء نفسه هو ما ينتجه من شعور باللاعدالة. فالمواطن لا يقارن فقط بين دخله وأسعار السوق، بل يقارن أيضا بين ما يطلب منه من صبر وتضحيات، وما يراه من تفاوت في توزيع الثروة والفرص. وحين تتسع هذه الفجوة، يصبح الاحتقان الاجتماعي نتيجة سياسية، لا مجرد أثر اقتصادي. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن تجاهل ضغوط المعيشة، والاستخفاف بمطالب الناس، يمكن أن يحول أزمة الأسعار إلى أزمة ثقة في المؤسسات والحكومات.

ولا ينبغي للدولة أن تنتظر حتى تتحول القدرة الشرائية إلى عنوان للاحتجاج كي تعيد النظر في اختياراتها. فالمسؤولية السياسية تقتضي الاستباق، والإنصات، والاعتراف بأن السياسات الاقتصادية ليست محايدة اجتماعيا. كل قرار يتعلق بالضرائب أو الدعم أو المنافسة أو التصدير أو الاستثمار، له رابحون وخاسرون، وله أثر مباشر على توزيع الأعباء داخل المجتمع.

المطلوب اليوم ليس العودة إلى اقتصاد تتحكم فيه الدولة في كل شيء، ولا إطلاق وعود شعبوية لا تتحملها المالية العمومية. المطلوب هو دولة تنظم السوق بدل أن تكتفي بمراقبة اضطراباته، وتفرض المنافسة بدل التسليم بتركيز المصالح، وتربط الدعم بالمردودية الاجتماعية، وتراجع سياساتها الضريبية بما يضمن توزيعا أكثر عدلا للأعباء، وتعيد الاعتبار للأمن الغذائي والطاقي باعتبارهما جزءا من السيادة الوطنية.

أما اختزال كل اقتراح لتدخل الدولة في الأسعار في شبح صندوق المقاصة، فهو نقاش يخلط بين أدوات التدخل وغاياته. فليس كل تنظيم للسوق دعما شاملا، وليس كل تسقيف مؤقت أو آلية استثنائية إعادة إنتاج للنموذج القديم. بين ترك السوق بلا ضوابط، وبين تحمل الدولة كلفة الأسعار إلى ما لا نهاية، توجد مساحة واسعة لسياسات ذكية وشفافة، تقوم على المنافسة الفعلية، ومراقبة الهوامش، واستهداف الدعم، وحماية المستهلك، ومحاسبة المحتكرين والمضاربين.

الدولة الاجتماعية التي يحتاجها المغاربة ليست دولة تمنحهم دعما ثم تتركهم وحدهم في مواجهة السوق، بل دولة تجعل السوق تعمل في خدمتهم، وتمنع تحول الحاجات الأساسية إلى امتيازات لا ينالها إلا القادرون على الدفع. دولة لا تقيس نجاحها فقط بمعدلات النمو والاستثمار والصادرات، بل أيضا بما تبقى في جيب المواطن عند نهاية الشهر، وبما يستطيع أن يشتريه من غذاء، وبما يضمنه لأبنائه من تعليم وعلاج وسكن.

في النهاية، لا يمكن بناء الثقة السياسية بخطاب اجتماعي، بينما يشعر المواطن أن كلفة الاختيارات الاقتصادية تلقى باستمرار على كتفيه. ولا يمكن الحديث عن تنمية شاملة إذا كان النمو يمر من فوق المجتمع، ولا عن استقرار مستدام إذا ظلت العدالة الاجتماعية مؤجلة إلى إشعار آخر.

فالدولة التي تريد أن تكون اجتماعية، لا يكفي أن تمد يدها إلى المواطن حين يشتد به العوز؛ عليها أولا وأخيرا أن تمنع السياسات والأسواق من دفعه إلى العوز.


شاهد أيضا

شاهد أيضا