Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

التخطيط العمراني في القنيطرة.. صراع النفوذ بين الدولة ولوبي العقار في معركة توازن المصالح

عندما يتحول التخطيط العمراني إلى ساحة صراع، لا يكون السؤال حول جودة المشاريع، بل حول من يملك القوة لفرض رؤيته.

في مدينة تتغير ملامحها بسرعة، حيث تتداخل الخرائط مع المصالح، يصبح التخطيط العمراني أشبه برقعة شطرنج، تتحرك عليها الدولة والمنعشون العقاريون والسلطات المحلية، بينما يبقى المواطن بيدقًا ينتظر مصيره بين قرارات تُصاغ في مكاتب مغلقة. مشروع تصميم التهيئة الجديد للقنيطرة لم يكن مجرد وثيقة تقنية تنظم المجال، بل كان شرارة لصراع بين رؤية رسمية تحاول فرض النظام ومصالح اقتصادية ترفض القيود. قرار عامل الإقليم بإعادة النظر في بعض مقتضيات المشروع لم يكن استجابة لضرورات عمرانية، بقدر ما كان إعلانًا صريحًا عن ثقل لوبي العقار في توجيه السياسات الحضرية. السؤال هنا ليس فقط من يضع القوانين، بل من يملك القدرة على فرضها وتعديلها لصالحه؟

حين يتدخل ممثل السلطة المركزية، فالأمر ليس مجرد مراسلة إدارية، بل هو إشارة إلى أن التوازنات اهتزت، وأن ضغوط المنعشين العقاريين بلغت حداً لا يمكن تجاهله. الدولة، التي تروج لخطاب ضبط النمو العمراني، تجد نفسها مضطرة لإعادة التفاوض مع رأس المال الذي يحرك دينامية السوق. إنها لعبة شد الحبل بين سلطة تحاول الحفاظ على سيادتها على التخطيط، ورجال أعمال يدركون أن هامش المناورة لديهم أكبر مما يبدو. والنتيجة؟ تنازلات مغلفة بخطاب “المصلحة العامة”، حيث يفرض المال منطقه ولو على حساب جودة العيش في المدينة.

في قلب هذا الجدل، برزت إحدى النقاط الخلافية الأكثر جدلًا: فرض عرض الغرف بثلاثة أمتار. في الظاهر، يبدو الأمر محاولة لتحسين معايير السكن، لكنه في الواقع تهديد مباشر لهوامش الربح، مما جعل المنعشين يدقون ناقوس الخطر. هنا يظهر الوجه الحقيقي لصراع التهيئة: الدولة تريد فرض معايير أكثر صرامة، لكن دون أن توفر أدوات تجعل الامتثال لها ممكنًا دون أن يمس ذلك بجاذبية الاستثمار. المفارقة أن هذه المعضلة تنتهي دائمًا بتسويات تحافظ على مصالح الأقوى، فيما يجد المواطن نفسه مضطرًا للقبول بما يُتاح، سواء كان سكنًا لا يحترم المعايير، أو أسعارًا ترتفع بفعل تقلص العرض.

أما الوكالة الحضرية، التي يُفترض أنها الحارس التقني لانسجام المدينة، فقد وجدت نفسها متهمة بعرقلة المشاريع، بينما بدت المصالح الجماعية والإقليمية أكثر مرونة في الاستجابة لضغوط المنعشين. هذا التناقض ليس عشوائيًا، بل يعكس صراعًا داخل الدولة نفسها بين من يؤمن برؤية عمرانية صارمة، ومن يدرك أن الاقتصاد لا ينتظر خططًا طويلة المدى. في النهاية، تنتهي الأمور دائمًا إلى حلول توافقية لا ترضي أحدًا بالكامل، لكنها تضمن استمرار العجلة بالدوران ولو بثمن باهظ.

وفي ظل هذه التجاذبات، يظل المواطن الحلقة الأضعف، رغم أنه قدم مئات المقترحات لتعديل المشروع. غير أن تأثيره، كالعادة، ظل محدودًا أمام آلة المصالح الكبرى. في مشهد يبدو مألوفًا، تتكرر نفس النتيجة: أصوات المواطنين تُسمع، لكنها لا تؤثر، بينما تتحرك قرارات الدولة وفق موازين القوى، حيث يبقى رأس المال أكثر قدرة على صياغة الواقع من أي خطاب رسمي عن التخطيط المحكم والمصلحة العامة.

القرار النهائي بيد اللجنة المركزية، وهذا وحده كافٍ لفهم أن التدبير المحلي لا يزال مرتهنًا لقرارات تأتي من الأعلى. الدولة قد تبدو منفتحة على الحوار، لكنها تحتفظ بالكلمة الأخيرة حين يتعلق الأمر بمشاريع استراتيجية. وفي النهاية، لن يكون السؤال حول ما إذا كان المشروع سيتغير، بل حول مقدار التنازل الذي ستقدمه الدولة لضمان استمرار السوق دون أن تبدو وكأنها فقدت سيطرتها. فالتخطيط هنا ليس مجرد مسألة خرائط وحدود، بل معركة توازنات، حيث لا يُحسم النقاش حول مستقبل المدينة في قاعات الاجتماعات، بل في ميزان القوى الذي يحدد من يحكم المجال ومن يُحكم عليه بالتأقلم.

كتبته/ ميمونة داهي


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...