مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الرباط / آخر خبر
لم يعد الجدل المرتبط بتصريحات بعض المسؤولين المغاربة يقتصر على واقعة عابرة أو عبارة خرجت عن سياقها، بل بات يتكرر في مناسبات سياسية ومؤسساتية مختلفة، مثيراً نقاشاً متجدداً حول طبيعة الخطاب الذي يعتمده عدد من الفاعلين السياسيين، ومدى انسجامه مع المسؤوليات التي يتولونها والانتظارات المرتبطة بمواقعهم داخل مؤسسات الدولة والأحزاب.
آخر حلقات هذا الجدل تفجرت عقب تداول عبارة «زواج مونغولي»، المنسوبة إلى وزير التعليم العالي، والتي واجهت انتقادات واسعة من نشطاء اعتبروا أنها تحمل إساءة للأشخاص المصابين بمتلازمة داون، وتتنافى مع قيم احترام الكرامة الإنسانية والاختلاف، وهي قيم يفترض أن تكون حاضرة بقوة في خطاب مسؤول يشرف على قطاع يرتبط بالعلم والمعرفة.
غير أن النقاش لم يتوقف عند العبارة ذاتها، إذ امتد إلى رد الناطق الرسمي باسم الحكومة، سمير بلفقيه، على سؤال صحافي بشأن موقف الحكومة من التصريح، بعدما أجاب بعبارة «وزير صاحب الجلالة»، وفق ما جرى تداوله إعلامياً. وهو تفاعل أعاد إلى الواجهة دور الناطق الرسمي في توضيح المواقف الحكومية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتصريحات تثير نقاشاً حقوقياً وأخلاقياً في الفضاء العام.
فالسؤال المطروح لم يكن بشأن الصفة الدستورية للوزير أو الجهة التي عينته، وإنما حول موقف الحكومة من عبارة أثارت انتقادات واسعة. وبين احترام المؤسسات وضرورة مساءلة المسؤولين، يظل التواصل الحكومي مطالباً بتقديم أجوبة واضحة ومباشرة عن القضايا التي تشغل الرأي العام، دون أن يتحول النقاش إلى تبادل للصفات أو تجاوز جوهر السؤال.
وتتجاوز هذه الواقعة حدود النقاش المرتبط بقطاع التعليم العالي، بالنظر إلى تعدد الحالات التي شهدت خروج تصريحات سياسية عن سياق النقاش المؤسساتي، سواء داخل البرلمان أو في اللقاءات الحزبية. ففي ماي 2026، أثارت عبارة «الشيعة الشيوعيين»، التي وجهها إدريس الشطيبي، عضو رئاسة مجلس النواب عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى عبد الله الإبراهيمي، رئيس فريق العدالة والتنمية، خلال جلسة برلمانية، احتجاجاً داخل المؤسسة التشريعية، وأعادت طرح مسألة ضوابط التخاطب بين ممثلي الفرقاء السياسيين.
وفي السياق الحزبي، أثارت تصريحات عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، تجاه سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، تفاعلاً واسعاً، بعدما خاطبه بعبارة «الزم بيتك وشد تيقارك»، في خضم خلاف سياسي وحزبي بين الطرفين.
كما أثار بنكيران جدلاً آخر بتصريح بشأن عبد الله الإبراهيمي، خلال لقاء حزبي، ربط فيه تلاوته للقرآن الكريم بأصول والدته الجزائرية، وهي عبارة قوبلت بانتقادات، قبل أن يقدم اعتذاره بشأنها.
من جهته، دخل عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، دائرة السجال من خلال تصريحاته المتعلقة بوزير العدل، وما رافقها من نقاش حول خطاب «اليأس»، في واقعة أعادت بدورها طرح الحدود الفاصلة بين النقد السياسي وتوجيه العبارات ذات الطابع الشخصي.
وتتقاطع هذه الوقائع، رغم اختلاف مناسباتها وأطرافها، عند إشكالية واحدة تتعلق بكيفية تدبير الاختلاف والتعبير عن المواقف في الحياة السياسية. فالنقاش العمومي لا يتشكل فقط من البرامج والمواقف والقرارات، بل يتأثر أيضاً باللغة التي يختارها المسؤولون للتواصل مع المواطنين ومخاطبة خصومهم، خصوصاً عندما تصدر التصريحات عن أشخاص يتولون مسؤوليات حكومية أو حزبية أو برلمانية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة داخل المؤسسة التشريعية، التي يفترض أن تظل فضاءً لمناقشة القوانين ومراقبة العمل الحكومي وتبادل المواقف وفق قواعد الحوار والاحتكام إلى الحجة. كما أن انتقال السجالات إلى المنصات الرقمية يوسع نطاق انتشارها، ويجعل العبارات الصادرة عن القيادات السياسية موضوعاً لتفاعل يتجاوز حدود المناسبة التي قيلت فيها.
ولا يتعلق الأمر هنا بإلغاء حق المسؤولين في التعبير أو تضييق مساحة الاختلاف السياسي، بقدر ما يرتبط بالتمييز بين النقد المرتبط بالأفكار والسياسات، والخطاب الذي ينزلق إلى التوصيفات الشخصية أو العبارات التي تثير اعتراضات بسبب دلالاتها ومضمونها. فحرية التعبير تظل جزءاً أساسياً من الممارسة السياسية، لكنها تقترن أيضاً بمسؤولية تقدير أثر الكلمة واحترام كرامة الآخرين.
كما أن الاعتذار أو التوضيح، وإن كانا من وسائل احتواء الجدل، لا ينهيان بالضرورة النقاش حول تكرار مثل هذه الوقائع، ولا يعفيان من مساءلة أوسع بشأن طبيعة التواصل السياسي ومدى قدرته على الارتقاء إلى مستوى المسؤوليات المؤسساتية.
وفي مقابل هذا الانشغال المتكرر بالتصريحات والسجالات، تظل أمام الفاعلين السياسيين ملفات اجتماعية واقتصادية أساسية، من قبيل التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية والإصلاحات الكبرى، وهي قضايا تنتظر نقاشاً عمومياً يركز على الحلول والبرامج والنتائج، بدل استنزاف الاهتمام في خلافات تتركز حول العبارات وطريقة توجيهها.
فالمسؤولية السياسية لا تقاس بالموقع الذي يشغله صاحبه وحده، وإنما تظهر أيضاً في طريقة ممارسته لهذا الموقع، وفي قدرته على عرض مواقفه بوضوح، وتدبير الخلاف دون المساس بكرامة الأشخاص أو تحويل النقاش إلى مواجهة شخصية. كما أن صورة المؤسسات تتأثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بطبيعة الخطاب الصادر عن ممثليها.
وبين تصريحات تثير الجدل، وردود فعل متباينة، واعتذارات تأتي أحياناً بعد اتساع دائرة الانتقاد، يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت هذه الوقائع مجرد حالات متفرقة، أم أنها تكشف عن اختلالات أعمق في ثقافة التواصل السياسي بالمغرب، وعن الحاجة إلى ترسيخ خطاب يجعل من الاختلاف وسيلة للنقاش والإقناع، لا مناسبة لتبادل العبارات المثيرة للجدل.
