مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في السياسة، لا تعود الأفكار لأنها انتصرت بالضرورة، بل لأنها لم تحصل بعد على جواب نهائي.
ولهذا تبدو العودة اليوم إلى “حركة لكل الديمقراطيين” أكثر من مجرد استدعاء لذاكرة سياسية تعود إلى سنة 2008. فبعد ثمانية عشر عاما، وبعد انتخابات تشريعية أفرزت حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة النتائج الأولية بـ97 مقعدا، ووضعت إلى جانبه الاستقلال بـ65 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، صار ممكنا حسابيا الحديث عن كتلة من 207 مقاعد، أي أكثر من الأغلبية المطلقة المطلوبة في مجلس النواب. لكن السياسة تبدأ تحديدا حيث تنتهي الآلة الحاسبة.
فالـ207 مقاعد ليست بعد تحالفا سياسيا، والأرقام لا تنتج وحدها مشروعا حكوميا، كما أن التشابه المفترض في بعض المرجعيات لا يلغي المسافات التي تفصل الأحزاب الأربعة في التاريخ والتجربة والبرنامج والموقع داخل الدولة والمجتمع.
وهنا تحديدا يصبح استحضار “حركة لكل الديمقراطيين” مفيدا، لا باعتبارها نبوءة تحققت بعد 18 سنة، وإنما باعتبارها سؤالا سياسيا لم يحسم بالكامل.
حين ظهرت الحركة سنة 2008، جاءت في سياق كان فيه الحقل الحزبي المغربي يعيش أزمة عميقة في القدرة على التجميع والتعبئة. وقد قدم مؤسسوها أنفسهم باعتبارها مبادرة للدفاع عن الخيارات الديمقراطية والحداثية، وتعزيز الإصلاحات المؤسساتية والعدالة الاجتماعية ودولة الحق والقانون. وفي غشت من السنة نفسها، تحولت الحركة إلى حزب الأصالة والمعاصرة بعد اندماج خمسة أحزاب صغيرة في التنظيم الجديد.
لكن منذ ولادتها، لم تكن الحركة فكرة بريئة من السياسة، ولا كانت خارج الصراع حول إعادة تشكيل الحقل الحزبي. فقد أثارت آنذاك شكوكا واعتراضات من قوى سياسية مختلفة، وذهب منتقدوها إلى اعتبارها محاولة لإعادة ترتيب المشهد الحزبي من خارج بنياته التقليدية، بينما قدمها أصحابها باعتبارها مشروعا لتجاوز حالة البلقنة وتجميع قوى ديمقراطية وحداثية متفرقة.
وبعدها جاء البام. وهنا ربما تبدأ المفارقة التي تستحق أن تقرأ اليوم من جديد.
فالحركة التي تحدثت عن تجميع الديمقراطيين انتهت إلى تأسيس حزب أصبح واحدا من أكبر الفاعلين في الحقل السياسي المغربي. والحزب الذي دخل السياسة من بوابة إعادة ترتيب المجال الحزبي يجد نفسه، بعد انتخابات 2026، أمام إمكانية إعادة ترتيب الأغلبية الحكومية نفسها. لكن هل يعني ذلك أن التاريخ عاد إلى نقطة البداية؟
ليس تماما. لأن المغرب الذي كان موجودا في 2008 ليس هو المغرب الذي دخل انتخابات 2026.
بين الزمنين تغيرت الخريطة السياسية، وجاء دستور 2011، وتجربة حكومة عبد الإله بنكيران، ثم حكومة سعد الدين العثماني، ثم تجربة عزيز أخنوش، وتبدلت مواقع الأحزاب، وتراجع بعضها وصعد بعضها الآخر، وعاد حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2026 بـ54 مقعدا بعدما كان قد انهار انتخابيا في 2021. والأهم من ذلك كله أن علاقة المواطن بالسياسة نفسها تغيرت.
فالانتخابات الأخيرة لم تمنح الأحزاب فقط خريطة جديدة للمقاعد؛ لقد كشفت أيضا عن مشكلة أكبر: من يمثل من؟
وزارة الداخلية أعلنت أن نسبة المشاركة الوطنية بلغت 38.08%، مقابل 50.86% في انتخابات 2021. وهذا يعني أن النقاش حول الحكومة المقبلة لا يمكن أن يختزل في سؤال: من يملك 198 مقعدا؟
السؤال الأعمق هو: ماذا يعني أن تكون الأغلبية البرلمانية مكونة من أحزاب حصلت مجتمعة على قدرة عددية كبيرة داخل مؤسسة تشريعية، بينما لم يشارك في الاقتراع سوى جزء محدود من الجسم الانتخابي المسجل؟
هنا يصبح الامتناع عن التصويت ليس نتيجة سياسية يمكن تفسيرها بجملة واحدة، ولا كتلة انتخابية موحدة لها موقف واحد، لكنه في الوقت نفسه واقعة سياسية لا يجوز للأحزاب أن تتجاهلها.
ومن هذه الزاوية، فإن الحكومة المقبلة ستكون أمام اختبارين متلازمين: اختبار تشكيل الأغلبية، واختبار إعادة بناء معنى المشاركة السياسية.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع البام تشكيل حكومة مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية؟
حسابيا، يستطيعون ذلك إذا اتفقت قياداتهم، فمجموع مقاعدهم، وفق النتائج الأولية، يصل إلى 207 مقاعد. لكن السؤال السياسي أكثر تعقيدا:
ماذا سيجمعهم؟ هل سيكون برنامجا حكوميا جديدا؟ أم مجرد تقاطع انتخابي؟
هل سيكون هناك تصور مشترك للإصلاح السياسي والمؤسساتي؟ أم ستعود الحكومة إلى منطق توزيع المواقع وتدبير التوازنات؟ هل تستطيع أحزاب لها تاريخ سياسي مختلف، وذاكرة تنظيمية مختلفة، وتجارب حكومية ومعارضة متباينة، أن تنتقل من ائتلاف المقاعد إلى ائتلاف السياسات؟ هنا تحديدا لا تعود تجربة “حركة لكل الديمقراطيين” مجرد خلفية تاريخية. لأن الفكرة التي حملتها الحركة كانت، في جوهرها، البحث عن مساحة مشتركة بين قوى متعددة المشارب حول الديمقراطية والحداثة والتنمية والعدالة الاجتماعية. لكن تحويل تلك المفاهيم إلى ممارسة حكومية شيء آخر تماما.
الديمقراطية ليست عنوانا انتخابيا. والحداثة ليست شعارا ثقافيا. والعدالة الاجتماعية ليست فقرة في برنامج حكومي.
كل هذه المفاهيم تصبح قابلة للاختبار فقط عندما تتحول إلى سياسات عمومية، وإلى مؤسسات، وإلى حقوق، وإلى مدرسة ومستشفى وشغل وعدالة مجالية وحريات عامة وإدارة خاضعة للمساءلة.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا تبدو لحظة 2026 مختلفة عن لحظة 2008.
في 2008 كان السؤال: هل يمكن تجميع القوى التي تقول إنها ديمقراطية وحداثية؟
أما اليوم، فالسؤال أصبح أكثر صعوبة:
هل تستطيع القوى التي قد تجتمع عدديا في الحكومة أن تتفق فعلا على معنى الديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية؟ وهذا فرق جوهري.
لأن التاريخ السياسي المغربي مليء بالتحالفات التي جمعت أحزابا مختلفة، لكنها لم تنتج بالضرورة مشروعا موحدا. كما أن تجربة “الكتلة الديمقراطية” نفسها لا يمكن استدعاؤها كأنها قالب جاهز يمكن وضعه فوق خريطة 2026.
فالاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية تحمل ذاكرة “الكتلة”، لكن هذا لا يعني أنها اليوم حزب واحد، ولا يعني أن اختلافاتها اختفت. بل إن السؤال الأصعب ربما يوجد داخل البام نفسه.
فبعد أن كان الحزب في بدايته مشروعا لإعادة تشكيل المجال السياسي، وبعد سنوات من التجربة والتداول القيادي والمشاركة الحكومية، هل أصبح اليوم حزبا مؤسساتيا مكتمل الاستقلالية السياسية، قادرا على قيادة ائتلاف متنوع، أم أن لحظة تأسيسه ستظل حاضرة في كل مرة يعود فيها سؤال موقعه داخل النظام الحزبي؟
هذه ليست محاكمة للتاريخ، وإنما سؤال حول التحول من حزب ولد من مشروع لإعادة تركيب الحقل السياسي إلى حزب مطالب اليوم بإدارة الدولة من داخل المؤسسات. وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات انتخابات 2026.
فالبام لم يعد يحتاج إلى إثبات أنه قادر على الوصول إلى السلطة. لقد أثبت صندوق الاقتراع أنه قادر على تصدر النتائج الأولية. ما يحتاج إلى إثباته الآن هو شيء آخر: ماذا سيفعل بهذه الصدارة؟ هل سيبني حولها مشروعا سياسيا واضحا؟ هل سيعيد تعريف علاقته بالحلفاء؟ هل سيحول خطاب الحداثة إلى سياسات ملموسة؟ وهل يستطيع أن يفسر للمواطن لماذا ينبغي أن تكون هذه الأغلبية أكثر من مجرد جمع لأحزاب مختلفة؟ ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للأغلبية المقبلة هو أن تنجح في تركيب أرقامها وتفشل في تركيب معناها.
وفي الجهة الأخرى، فإن احتمال وجود يسار خارج الحكومة يفتح بدوره سؤالا مهما. فوجود الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية داخل الأغلبية، إذا تحقق، سيجعل موقع اليسار الآخر أكثر أهمية، خصوصا مع حضور تحالف اليسار بثمانية مقاعد. وليس ضروريا أن تكون المعارضة خارج الحكومة مجرد رفض آلي لكل ما تأتي به الأغلبية؛ يمكن أن تتحول إلى رقابة سياسية وبرلمانية حقيقية، خصوصاً في ملفات الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية والسياسات العمومية.
وفي المقابل، فإن الخريطة الجديدة تضع التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والحركة الشعبية في موقع مختلف إذا اختارت هذه الأحزاب المعارضة، بعدما حصلت على 66 و54 و29 مقعدا على التوالي.
وهنا أيضا لا ينبغي اختزال المعارضة في عدد المقاعد. فالديمقراطية لا تقاس فقط بحجم الأغلبية، بل بقدرة المعارضة على السؤال، والمساءلة، والاقتراح، وكشف الاختلالات، وتقديم بدائل. ولذلك فإن حكومة 2026، أيا كانت تركيبتها النهائية، لن تختبر فقط في قدرتها على نيل ثقة البرلمان.
ستختبر في قدرتها على إنتاج الثقة خارج البرلمان أيضا. وهذا هو المعنى الذي يبدو أكثر راهنية في انتخابات 23 شتنبر.
فإذا كان دستور 2011 قد أعاد ترتيب بعض قواعد تشكيل الحكومة وربط تعيين رئيسها بنتائج انتخابات مجلس النواب، فإن السياسة لا تنتهي عند لحظة التعيين أو عند التصويت على البرنامج الحكومي.
هناك ما هو أبعد: ماذا ستفعل الحكومة بالثقة التي حصلت عليها؟ وكيف ستعيد وصل المؤسسات بالمجتمع؟ وكيف ستجيب عن أسباب اتساع المسافة بين الناخب والصندوق؟
وهنا نصل إلى النقطة التي ربما تكون أكثر أهمية من كل الحسابات الحالية. ربما لم تعد مشكلة المغرب هي غياب الأغلبية. ربما المشكلة هي غياب المعنى السياسي الكافي وراء الأغلبية.
فالـ207 مقاعد الممكنة قد تصنع حكومة قوية عدديا، لكنها لا تصنع وحدها مشروعا ديمقراطيا.
ويمكن لتحالف يضم أحزابا من عائلات سياسية مختلفة أن يكون ناجحا إذا امتلك برنامجا واضحا،وتعاقدا سياسيا معلنا، وآليات للمساءلة، وتوزيعا واضحا للمسؤوليات.
لكن يمكنه أيضاً أن يتحول إلى مجرد هندسة عددية إذا كان الرابط الوحيد بين مكوناته هو الحاجة إلى تشكيل الحكومة.
وهنا بالضبط تعود “حركة لكل الديمقراطيين” من الماضي، ولكن ليس لتعلن انتصار فكرتها. بل لتطرح السؤال على أصحابها الجدد:
ماذا بقي من الفكرة بعد أن صار لها حزب، وبعد أن صار الحزب أمام إمكانية قيادة الحكومة؟
في 2008 كان الحديث عن تجاوز البلقنة وتجميع القوى الديمقراطية والحداثية. واليوم توجد أمام البام فرصة سياسية غير مسبوقة لاختبار ما إذا كان ذلك التجميع يمكن أن يتحول إلى مشروع حكم.
لكن المشروع لا يبدأ من توزيع الحقائب. يبدأ من تعريف واضح لما تريد الأغلبية أن تفعله بالمغرب خلال السنوات المقبلة.
من الاقتصاد إلى التعليم.
من الصحة إلى التشغيل.
من العدالة الاجتماعية إلى العدالة المجالية.
من الحريات إلى المؤسسات.
ومن علاقة الأحزاب بالمواطن إلى علاقة المواطن نفسه بالسياسة.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق سؤال “من سيكون رئيس الحكومة؟” هو: أي حكومة نريد؟ والسؤال الذي يليه مباشرة: أي عقد سياسي تريد هذه الحكومة أن تقترحه على المغاربة؟
أما استدعاء فؤاد عالي الهمة، أو البحث عن “نبوءة” تعود إلى 2008، فقد يكون جذابا صحفيا، لكنه أقل أهمية من اختبار الحاضر. لأن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا. إنه يعيد أحيانا إنتاج الأسئلة نفسها في ظروف مختلفة.
وفي 2026، عاد سؤال 2008 بالفعل. لكن ليس سؤال: هل يمكن جمع “كل الديمقراطيين”؟
بل سؤال أكثر قسوة: هل يستطيع الذين صاروا اليوم قادرين على جمع الأغلبية أن يجمعوا أيضا معنى سياسيا مشتركا لها؟
هنا فقط ستعرف انتخابات 2026 إن كانت قد فتحت صفحة جديدة في تاريخ الحزب، أم أنها اكتفت بتغيير ترتيب المقاعد. فالأغلبية تصنع في البرلمان. أما الشرعية السياسية، فتبنى في المجتمع. وبين الاثنين توجد حكومة كاملة تنتظر أن تثبت أن 207 مقاعد يمكن أن تكون أكثر من مجرد رقم.
