مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
حوار مع مفكر استثنائي وصوت أكاديمي متفرد
صدر للأستاذ الدكتور عبد الرحيم خالص مؤلف جديد وازن، شكل حدثا فكريا لافتا، لما أثاره من أسئلة كبرى تتصل بالقضية الوطنية، وما اقترحه من قراءة تعيد ترتيب العلاقة بين التاريخ والقانون والسياسة. وهو إصدار مهم يستوجب سبر أغواره، والوقوف عند أطروحاته المركزية، واستجلاء ما يحمله من رؤى وتصورات تتجاوز حدود التوثيق إلى مجال التحليل والاستشراف.
وبهذا المعنى، نستضيف في هذا الحوار الأستاذ الدكتور عبد الرحيم خالص، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بأيت ملول، ورئيس المرصد المغربي للأجيال المقبلة، وأحد الأصوات الأكاديمية التي جمعت بين التميز العلمي والانخراط المسؤول في قضايا الوطن والمجتمع، من أجل الاقتراب من خلفيات هذا العمل الجديد، وفتح نقاش معرفي حول رهاناته الفكرية والوطنية.
نرافقه في هذا اللقاء داخل صفحات مؤلفه الجديد “عيد الوحدة: من الفعل المؤسس إلى الفعل الممأسس”؛ وهو كتاب يقدم قراءة عميقة لمسار التحول من الشرعية التاريخية التي جسدتها المسيرة الخضراء، إلى أفق المشروعية الدستورية والمؤسساتية التي تجسدها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. كما يستعيد نصف قرن من تاريخ القضية الوطنية المغربية (1975-2025)، في مقاربة تزاوج بين الذاكرة الوطنية والصرامة القانونية، وبين الوفاء للماضي واستشراف المستقبل، وتقترح فهما جديدا لكيفية انتقال اللحظات المؤسسة في تاريخ الأمم إلى مشاريع سياسية مستدامة.
في هذا الحوار، نقترب مع ضيفنا من عدد من القضايا الجوهرية التي يثيرها هذا الإصدار، كما نسلط الضوء على جوانب من مساره الفكري والإنساني، من بينها:
خلفيات التأليف: لماذا اختار الدكتور خالص هذا التوقيت بالذات؟ وكيف استثمر القرار الأممي 2797 في بناء مقاربة قانونية ومؤسساتية جديدة؟
الأطروحة المركزية: ماذا يعني الانتقال من الفعل المؤسس إلى الفعل الممأسس؟ وكيف يمكن لمبادرة الحكم الذاتي أن تتحول إلى واقع مؤسساتي ملموس؟
البعد الإنساني والرمزي: سنتوقف عند الالتفاتة الوفائية للجندي المغربي، وعند الدلالات العلمية والرمزية للتقديم الذي حظي به الكتاب من عمادة كلية الحقوق بأيت ملول.
الهوية الفكرية للمؤلف: سنقترب من شخصية الباحث الذي لم تنسه فضاءات الجامعة أصالة جبال الأطلس المتوسط، ولا أثر التنشئة العلمية والقيمية التي نهلها من والده الفقيه رحمه الله، ليقدم نموذجا للأكاديمي المرتبط بقضايا وطنه ومجتمعه.
الدكتور عبد الرحيم خالص، مرحبا بكم معنا، ونبدأ من حيث بدأت الفكرة: كيف ولد هذا الكتاب؟
عبد الرحيم خالص: معركة الصحراء اليوم هي معركة قانون ومؤسسات
سؤال رقم 1: ما هي الأسباب الحقيقية التي دفعتكم لخوض غمار هذا التأليف النوعي في هذا الظرف الدقيق؟
الجواب: إن الدواعي الأساسية لتأليف عيد الوحدة تكمن في الرغبة في الارتقاء بالنقاش حول قضيتنا الوطنية الأولى من مستوى الدفاع السياسي الصرف إلى مستوى التحليل الدستوري والقانوني المؤسساتي. لقد شعرت بضرورة أكاديمية وعملية لدراسة السبل الكفيلة بتنزيل مقترح الحكم الذاتي على أرض الواقع، وتحويله من مبادرة سياسية إلى نظام قانوني متكامل ينسجم مع البناء الدستوري المغربي، بما يعزز مصداقية المقترح وطنيا ودوليا. كما أن تزامن هذا العمل مع مرور خمسين سنة على المسيرة الخضراء (1975-2025) جعل من الضروري تقديم قراءة تراكمية لمسار الدولة المغربية، تنتقل من الشرعية التاريخية إلى المشروعية الواقعية.
سؤال رقم 2: ما هي الآفاق الواعدة التي يفتحها مؤلفكم الجديد في التقدم في الحلول العملية لتجاوز النزاع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية ولاسيما مبادرة الحكم الذاتي؟
الجواب: يفتح الكتاب آفاقا عملية عبر تقديم نموذج مشروع قانون تنظيمي يؤطر هياكل نظام الحكم الذاتي لجهة الصحراء المغربية. الكتاب يقترح مسارات لتطوير الإطار الدستوري الحالي (دستور 2011) ليصبح أكثر استيعابا لمتطلبات الحكم الذاتي الموسع، من خلال مبادئ التفريع والتدبير الحر. الآفاق هنا تتجلى في تحويل المبادرة من مقترح سياسي إلى نظام قانوني مستقر، يضمن استقرار المنطقة وصيانة كرامة الإنسان الصحراوي في إطار السيادة المغربية الموحدة.
سؤال رقم 3: ما الأطروحة التي يتناولها مؤلفكم؟ وما حدود نجاحها في تجاوز ملف الصحراء وبناء الدولة المغربية الحديثة بمنطق الحكم الذاتي ومصداقيته الأممية وشرعيته الدولية؟
الجواب: تتمحور أطروحة الكتاب حول مفهوم السيادة غير القابلة للتجزئة وضرورة الانتقال من الفعل المؤسس (المسيرة الخضراء) إلى الفعل المماسس (الحكم الذاتي). وتعتمد نجاح هذه الأطروحة على قدرة البناء الدستوري المغربي على استيعاب وتأطير نظام الحكم الذاتي في إطار نص قانوني يحقق التوازن بين السيادة الوطنية الكاملة والاستقلالية المحلية الواسعة. إن مصداقيتها الأممية مستمدة من انسجامها مع قرارات مجلس الأمن، وآخرها القرار رقم 2797، الذي أكد واقعية المبادرة كحل نهائي.
سؤال رقم 4: كيف ترون مستقبل قضية الصحراء من خلال ما يقدمه كتابكم من أفكار وجيهة ومقترحات سلسة وحلول حكيمة؟
الجواب: أرى مستقبل القضية في الانتقال إلى مرحلة الحسم المؤسساتي؛ حيث لم تعد الصحراء موضوع نزاع، بل مجالا لتطوير نموذج مغربي متقدم في الجهوية والحكم الذاتي. المستقبل يكمن في دسترة هذا النظام وجعله آلية لتدبير التعدد داخل الوحدة، مما يحول المنطقة إلى قطب ديمقراطي وتنموي مندمج في إطار المغرب الكبير. إنها ثورة هادئة تنتقل بالدولة من المركزية التقليدية إلى مركزية منفتحة تقوم على مبدأ وحدة التنوع.
سؤال رقم 5: تم التقديم لكتابكم برسالة إلى جندي، ما الهدف منها وما هي أهم دلالاتها في موضوع الصحراء المغربية؟
الجواب: الهدف من الرسالة إلى الجندي المغوار / 2797 هو التعبير عن الامتنان والعرفان لمرابطي الحدود الذين يدافعون عن السيادة والكرامة. دلالاتها عميقة؛ فهي تربط بين التضحية الميدانية والشرعية الدولية التي كرسها القرار 2797. كما أن توظيف اسم المصطفى وأرقام القرار في بنية القصيدة المهداة يعكس تلاحم العرش والشعب والجندي في سبيل بناء الوحدة، ويؤكد أن مغربية الصحراء هي قضية وجود وكرامة إنسانية قبل أن تكون نصوصا قانونية.
سؤال رقم 6: دكتور، تتمة لسؤال السابق تقريبا، ورد في إهداء كتابكم قصيدة موجهة إلى الجندي المغوار كما أكدتم، وقد ذكرتم فيها اسم “المصطفى”، فهل لهذا الاسم دلالة أخوة عائلية قريبة، أم هو توظيف سيميائي تجريدي يعبر عن كل جندي تم اصطفاؤه للدفاع عن حوزة الوطن؟
الجواب: سؤال وجيه يغوص في فلسفة الإهداء. في الواقع، اسم المصطفى في القصيدة يحمل دلالة مزدوجة تتداخل فيها الروح العائلية بالرمزية الوطنية. فهو من جهة تكريم لأخي القريب المرابط في ثغور الصحراء، ومن جهة أعمق، هو توظيف سيميائي وتجريدي لكل جندي مغربي. فكل مرابط على حدودنا هو مصطفى، أي مختار ومصطفى من قدره ومن الله سبحانه وتعالى ليحمل أمانة الدفاع عن وحدة الوطن وسيادته. هذا الاصطفاء ليس مجرد وظيفة، بل هو قدر وطني يجعل من الجندي رمزا للمغرب الموحد في ظل تعدد لغاته وتنوع فكره وتكامله الجغرافي. فالمصطفى هنا هو الجندي الإنسان، الذي يذود عن الأرض ليحيا المواطن حرا بغير انكسار، وهو تجسيد لوفاء المؤسسة العسكرية للثوابت الوطنية الراسخة.
سؤال رقم 7: دكتور، مهدتم لمؤلفكم القيم بإهداء خاص إلى جلالة الملك محمد السادس. هل يعود هذا الاختيار إلى كون جلالته هو القائد الأول والملهم لكل ثورة في قضايا الوحدة الترابية وهو الضامن للمصير المشترك للأمة المغربية؟ أليست هذه هي رسالتكم العميقة من وراء هذا الإهداء المتميز؟
الجواب: بلى، هذا هو جوهر الرسالة وفلسفة الإهداء. إن إهداء العمل إلى جلالة الملك محمد السادس يتجاوز البروتوكول ليلامس حقيقة دستورية ووجدانية راسخة؛ فجلالته هو المبدع الأول لرؤية المغرب الحديث، والقائد الأعلى الذي نقل قضية الصحراء المغربية من الدفاع إلى الهجوم، ومن الانتظار إلى الحسم عبر مبادرة الحكم الذاتي. جلالة الملك هو صمام الأمان والرمزية التي تلتف حولها كل مكونات الأمة، وهو المحرك الرئيسي لكل المبادرات التي تروم ترسيخ المشروعية الواقعية لسيادتنا. لذا، فإهداء كتاب يتناول الانتقال من الفعل المؤسس إلى الفعل المماسس – في قضية الصحراء – إلى جلالته، هو اعتراف بالدور الريادي لمؤسسة العرش في تحويل الإجماع الوطني إلى قوة قانونية ودبلوماسية دولية لا تلين، وهو تأكيد على أن البحث الأكاديمي الرصين يسير جنبا إلى جنب مع الرؤية الملكية السامية في خدمة قضايا الوطن المصيرية.
سؤال رقم 8: دكتور، لقد أبى السيد العميد الدكتور رحيم الطور إلا أن يقدم لهذا العمل، وهو الذي اعتبره تشريفا له بقدر ما هو تشريف للعمل ذاته. ماذا يمثل لكم هذا التقديم من طرف قامة أكاديمية وسياسية وإدارية بوزن الدكتور الطور؟
الجواب: إن تقديم السيد العميد الدكتور رحيم الطور لهذا المؤلف هو وسام فخر أعتز به كثيرا، وهو يعكس نبل أخلاقه وسعة أفقه العلمي والانساني. إن الدكتور الطور ليس فقط عميدا لكلية الحقوق بأيت ملول، بل هو أستاذ قدير وسياسي محنك ومدبر حكيم، وتفضله بالتقديم هو تزكية معنوية وعلمية كبرى لهذا المولود الأكاديمي. لقد عكس هذا التقديم عمق الروابط التي تجمعنا داخل المؤسسة الجامعية، حيث لا يكتفي السيد العميد بالتدبير الإداري، بل يشجع بحرص شديد كل المبادرات العلمية الرصينة التي تخدم قضايا الوطن. إن كلماته التي أثنى فيها على نوعية العمل ومنهجه، هي في الحقيقة رسالة موجهة لكل الباحثين بضرورة الاجتهاد والتجديد. لذا، فإنني أعتبر تقديم السيد العميد ليس مجرد واجهة للكتاب، بل هو جزء لا يتجزأ من قيمته العلمية واعتراف صريح بأن الجامعة المغربية هي الحصن المنيع للترافع الأكاديمي عن ثوابت الأمة ومقدساتها، ومن بينها قضية الصحراء المغربية في إطار السيادة الوطنية. فله مني كل التقدير والامتنان على هذا الدعم الصادق والتشجيع المستمر.
سؤال رقم 9: دكتور، تضمن كتابكم إشارة شكر خاص لزميل لكم في العمل، يبدو أنه رافقكم في مراحل التدقيق والمراجعة. ماذا يمكنكم أن تقولوا لنا عن هذا الزميل وعن قيمة هذا التظافر العلمي في إخراج مؤلفكم؟
الجواب: نعم، إن البحث الأكاديمي الرصين لا يكتمل إلا بعين فاحصة وزميل مؤتمن يشاركك عناء التنقيب والمراجعة. وفي هذا العمل، كان لزميلي العزيز، الدكتور حكيم التوزاني، دور مقدر في مراجعة وتدقيق بعض أوجه هذا المؤلف، وهو ما يعكس روح التكامل والتعاون القائمة بيننا في رحاب كلية الحقوق بأيت ملول. إنني أؤمن بأن الكتابة عن قضايا بحجم مغربية الصحراء تتطلب أقصى درجات الدقة والنزاهة العلمية، ووجود زميل متخصص يشاركك القلق المعرفي ويساهم في تجويد المتن هو ضمانة إضافية لجودة المنتج العلمي. لذا، فإن شكري له هو اعتراف بفضله وتقدير لجهده الذي بذله بكل تجرد، وتأكيد على أن الانتاجات العلمية الكبرى هي في جوهرها ثمرة لنقاشات وتفاعلات إنسانية وأكاديمية بناءة تهدف دائما إلى خدمة الحقيقة العلمية والقضايا الوطنية.
سؤال رقم 10: دكتور، لنعد قليلا إلى الكتاب.. كيف جاءت فكرة تأليفه؟ وما سر نجاحها داخليا وخارجيا؟
الجواب: جاءت الفكرة لمواكبة التحول التاريخي الذي دشنه القرار الأممي 2797، ولسد الفراغ في المكتبة القانونية فيما يخص دستورية الصحراء. سر نجاحها داخليا هو ملامستها للإجماع الوطني وتقديم حلول عملية (مشروع قانون تنظيمي) تتجاوز الشعارات. أما خارجيا، فسر نجاحها يكمن في اعتمادها على المنهج المقارن مع تجارب دولية كإسبانيا وألمانيا، مما يجعل المقترح المغربي مفهوما وقابلا للنقاش في السياق القانوني الدولي كحل واقعي وعادل يحترم السيادة ويوفر حكما ذاتيا حقيقيا.
سؤال رقم 11: هل كنتم تكتبون وتؤلفون بوعي مسبق أم أن إنتاجاتكم تأتي في سياقات يفرضها الواقع الأكاديمي أم الظرف المجتمعي أ م الهواجس الفكرية والإبداعية لديكم؟
الجواب: الكتابة عندي ليست ترفا فكريا، بل هي التزام ومسؤولية أخلاقية. الإنتاجات الخمسة التي صدرت خلال سنواتي السبع في رحاب كلية الحقوق بأيت ملول، بما فيها كتاب عيد الوحدة، هي مزيج بين الوعي المنهجي المسبق وبين الاستجابة لنداء الواقع. إنني أؤمن بالأكاديمي العضوي الذي لا ينعزل في برجه العاجي، بل يتفاعل مع قضايا وطنه ومجتمعه. عيد الوحدة مثلا، جاء كاستجابة لضرورة الترافع العلمي في قضية مصيرية، لكنه في نفس الوقت جزء من مشروع نظري أشتغل عليه يربط بين القانون الدستوري والعلوم السياسية، وهي هواجس تنظيرية تسعى لتقديم إجابات قانونية لأسئلة سياسية معقدة.
سؤال رقم 12: ما الذي يمكنكم أن تقولوه لنا عن المرصد المغربي للأجيال المقبلة ومجلة الفضاء العمومي وكيف تساهمان في نشر الوعي القانوني؟
الجواب: هاتان المؤسستان هما رئتان يتنفس من خلالهما مشروعي العلمي. المرصد المغربي للأجيال المقبلة يجسد هاجسا استشرافيا؛ فنحن لا نكتب للحاضر فقط، بل نؤطر المعرفة لمن سيأتون بعدنا، لضمان استمرارية الوعي بالحقوق والواجبات. أما مجلة الفضاء العمومي للبحث العلمي والتنظير والإبداع، فهي منصة ديمقراطية للمعرفة، نسعى من خلالها إلى جسر الهوة بين النخبة والمواطن، وتبسيط المفاهيم القانونية والسياسية الرصينة لتصبح مادة للتداول العام. الهدف الأسمى هو توطين المعرفة وجعل الوعي القانوني والمنهجي أداة في يد كل مواطن، وليس حكرا على المتخصصين فقط.
سؤال رقم 13: ماذا يمكنكم أن تقولوا لنا عن أصالتكم الفكرية وعن أصلكم الفقيهي على يد والدكم رحمه الله وما وصلتم إليه اليوم؟
الجواب: هذا السؤال يلمس شغاف القلب ويحرك مكامن الاعتزاز. إن كل حرف أكتبه اليوم، وكل مقام علمي بلغته، مدين بتلك البدايات الأولى في واويزغت الشامخة، بين جبال الأطلس المتوسط التي علمتني الصمود والشموخ. أما الأصالة الفكرية، فهي ثمرة غرس والدي الفقيه ناصر خالص، رحمه الله؛ فمنه تعلمت قدسية الكلمة، واحترام الحرف، والأمانة في النقل، والورع في القول. لقد كان إماما وحافظا لكتاب الله، ومن مشكاته استمددت النور الأول الذي قادني من الكتاب إلى الدكتوراه. إنني أعتبر جلباب الفقيه الذي ورثته عنه معنويا هو الرداء الحقيقي الذي أرتديه تحت بدلة الأستاذ الجامعي؛ فالأصل الفقيهي علمني أن العلم رسالة لا مهنة، وأن خدمة الوطن والقضية هي جزء من الجهاد العلمي الذي أرجو أن أكون قد وفقت في تأديته من خلال أعمالي. فأنا ابن تلك الجبال، وابن ذلك الفقيه، ولن أحيد عن قيم الصدق والأصالة التي تربيت عليها.
سؤال رقم 14: أخيرا دكتور، ما الذي يمكنكم التنويه به في هذا العمل؟ وما هي الوصايا أو التوصيات التي تقترحونها على السلطات المعنية لاستثمار هذا الإنتاج العلمي في ظل المفاوضات الدقيقة التي تمر منها قضية الصحراء المغربية؟
الجواب: التنويه الأساسي في هذا العمل هو أنه يقدم صياغة قانونية ملموسة تتجاوز منطق الشعارات؛ فالكتاب يتضمن مشروع قانون تنظيمي متكامل يؤطر نظام الحكم الذاتي، وهذا هو الاستثمار الحقيقي للبحث الأكاديمي في خدمة القرار السياسي. أما بخصوص التوصيات والوصايا التي يمكن استخلاصها، فأجملها في النقاط الآتية:
أولا: ضرورة الانتقال من الترافع السياسي العام إلى الترافع القانوني والمؤسساتي التخصصي؛ فالعالم اليوم لا يقنع إلا بالحلول الواقعية والقابلة للتنفيذ ديمقراطيا وقانونيا، وكتاب عيد الوحدة يقدم هذا النموذج.
ثانيا: التوصية للسلطات المعنية بضرورة استثمار متن هذا الكتاب في تعزيز الموقف التفاوضي المغربي، خاصة في إطار الموائد المستديرة التي حددها القرار 2797. إن عرض تفاصيل قانونية دقيقة حول كيفية ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية داخل جهة الصحراء في إطار السيادة المغربية، يقطع الطريق على أي تأويلات مغرضة ويعزز من مصداقية المقترح المغربي دوليا.
ثالثا: ضرورة إدماج مفاهيم الفعل المماسس في المقررات التعليمية والجامعية، لترسيخ الوعي لدى الأجيال المقبلة بأن مغربية الصحراء ليست فقط حقا تاريخيا، بل هي مشروع بناء دولة حديثة قوامها الديمقراطية المحلية والحكم الرشيد.
رابعا: دعوة الدبلوماسية الموازية، وخاصة الأكاديمية منها، إلى تبني لغة القانون الدستوري المقارن لمخاطبة المنتظم الدولي. إن لغة الحقوق والمؤسسات هي اللغة التي يفهمها الشركاء الدوليون، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية الراعية للعملية السياسية، والتي أكدت من خلال دعمها لمبادرة الحكم الذاتي على جدية وواقعية المسار المغربي.
وصيتي الأخيرة هي أن نجعل من قضية الصحراء ورشا مستمرا للاجتهاد الفكري والقانوني، فالمعركة اليوم هي معركة عقول ومؤسسات، وكتاب عيد الوحدة هو مساهمة متواضعة في هذا المسار الوطني الطويل والشاق، الذي نرجو أن ينتهي بطي هذا النزاع المفتعل نهائيا تحت السيادة المغربية الكاملة
في ختام هذا الحوار يظهر أن كتاب “عيد الوحدة” يعد مشروعا فكريا يسعى إلى تحويل قضية الصحراء المغربية من مجال سياسي إلى مجال مؤسساتي وقانوني، عبر تصور متكامل للحكم الذاتي داخل السيادة الوطنية.
كما يعكس شخصية أكاديمية تجعل من البحث العلمي أداة للترافع عن قضايا الدولة، ومن الجامعة فضاء لإنتاج الفكر المرتبط بالواقع والتحولات الدولية.
ويشار إلى أن هذا اللقاء الحواري عكس مزيجا متناغما بين حداثة الأستاذ الجامعي الذي يدير المراصد والمجلات العلمية برؤية استشرافية، وأصالة ابن واويزغت الذي تشبع بقيم الصمود الجبلي، ونهل من تربية فقهية أصيلة على يد والده الراحل رحمه الله. كما أن نجاح المؤلف في مساره العلمي يشكل، في جانب منه، تكريما رمزيا لتلك الجبال، ولتلك التنشئة الراسخة التي صنعت منه صوتا أكاديميا يتردد صداه في المحافل الوطنية والدولية.
