Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

عندما تتحول الكرة إلى مرآة للكراهية: الإعلام، الذاكرة، ومسؤولية اللحظة

«التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه كثيرا ما يذكرنا بما لم نتعلمه».

— جورج سانتيانا

ليست نهاية كأس إفريقيا لكرة القدم مجرد مباراة انتهت بخسارة فريق وفوز آخر، بل كانت — في لحظة مؤسفة — اختبارا أخلاقيا فشل فيه جزء من خطابنا العمومي، حين انزلقت المنافسة الرياضية إلى حملات كراهية، ورهاب أجانب، وتعميمات جارحة، غذتها منصات التواصل الاجتماعي، وباركتها — صراحة أو مواربة — بعض وسائل الإعلام، سواء في المغرب أو في السينغال.

هنا، لا تعود الكرة مجرد لعبة، ولا يصبح الجمهور مجرد متفرج، بل تتحول الرياضة إلى ذريعة لإخراج ما هو مكبوت: خوف، غضب، إحباط، وشعور زائف بالتهديد. وكما قال الفيلسوف الفرنسي إتيان دو لابويسي:

«الطغيان لا يولد من القوة وحدها، بل من القبول الجماعي به».

ما أعقب نهاية المباراة لم يكن نقاشا رياضيا، بل انفجارا خطابيا استهدف الجاليات:

• حملات ضد السينغاليين المقيمين في المغرب،

• وردود فعل مماثلة ضد المغاربة المقيمين في السينغال.

خطاب يقوم على التعميم، والاختزال، ونزع الإنسانية، وكأن آلاف الأفراد اختزلوا فجأة في نتيجة مباراة مدتها تسعون دقيقة.

وهنا مكمن الخطر: حين تختزل الهويات الإنسانية في لحظة غضب، تتحول الجماهير إلى ما وصفه غوستاف لوبون بـ“العقل الجمعي الغاضب”، حيث تختفي المسؤولية الفردية، ويعلو صوت الغريزة على صوت العقل.

في مثل هذه اللحظات الدقيقة، لا يكون الإعلام مجرد ناقل للحدث، بل صانع للمعنى.

إما أن يشتغل كجدار صد يفرمل الانزلاق،

أو يتحول — عن قصد أو عن جهل — إلى مسرع للكراهية.

ما شاهدناه، للأسف، هو انخراط بعض المنابر في:

• التهويل،

• إعادة نشر خطاب عنصري دون تفكيك،

• استضافة أصوات تغذي الانقسام بدل التحليل.

وهو ما يناقض جوهر الصحافة كما عرفها ألبير كامو:

«الصحافة الحرة هي تلك التي تزعج، لا تلك التي ترضي الغرائز».

في خضم هذا الشحن، عادت الهجرة لتستعمل كفزاعة جاهزة.

خطاب يربط — دون دليل — بين المهاجر والجريمة، وبين الأجنبي والتهديد، وكأن المجتمعات لا تعرف أزماتها الداخلية إلا عبر إسقاطها على “الآخر”.

لكن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تبحث عن شماعة، تنتهي دائما إلى كسر مرآتها الخاصة.

كما كتبت حنة آرنت:

«الشر يبدأ حين يتوقف الإنسان عن التفكير».

الأخطر في هذا الانزلاق أنه يضرب نموذجا إنسانيا وتاريخيا بني عبر عقود بين المغرب والسينغال:

• علاقات روحية،

• امتدادات صوفية،

• تبادل إنساني وثقافي وتجاري،

• وجاليات ساهمت في بناء الحياة اليومية في البلدين.

هذه الذاكرة المشتركة ليست تفصيلا، بل رصيدا أخلاقيا يجب حمايته.

فالسياسة، كما قال شارل دوغول،

«ليست فن استغلال اللحظة فقط، بل فن احترام التاريخ».

في هذا السياق، تبرز دعوة الشبكة المغربية لصحافيي الهجرات كنداء ضمير، لا كبلاغ تقني.

دعوة إلى:

• تفكيك الخطابات العنصرية بدل ترديدها،

• مواجهة الأخبار الكاذبة بالتحقيق الميداني،

• إعطاء الكلمة للمهاجرين لا الحديث عنهم بضمير الغائب،

• احترام الكرامة الإنسانية والحق في الصورة.

وهي مبادئ لا تستمد فقط من المواثيق الدولية، بل من جوهر المهنة نفسها، ومن ميثاق أخلاقيات الصحافة في المغرب، الذي يجرم صراحة كل أشكال التمييز.

ما حدث ليس حادثا عابرا، بل إنذارا.

إنذار بأن المجتمعات التي لا تحصن ذاكرتها، تستدرج بسهولة إلى خطاب الكراهية.

وبأن الإعلام، حين يتخلى عن دوره النقدي، يتحول من سلطة رابعة إلى صدى للغضب الجماعي.

في السياسة، في الإعلام، وفي الحياة عموما، تبقى الحقيقة التي لا تسقط بالتقادم هي ما قاله نيلسون مانديلا:

«لا يولد أحد وهو يكره إنسانا آخر بسبب لون بشرته أو أصله… الناس يتعلمون الكراهية، وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية، فيمكن تعليمهم المحبة».

بعد أن تهدأ العاصفة، وتطوى صفحة المباراة، سيبقى سؤال واحد معلقا في ذاكرة التاريخ:

هل تعلمنا شيئا؟

لأن الأمم لا تقاس فقط بانتصاراتها الرياضية،

بل بقدرتها على حماية إنسانيتها في لحظات الغضب.

وحين نكتب اليوم، لا نكتب عن مباراة،

بل عن اختيار أخلاقي:

إما صحافة ترمم الجسور،

أو خطاب يراكم الشروخ.

والتاريخ… لا ينسى من اختار أي طريق.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...