Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

شركاء الأمس .. خصوم اليوم: من يتحمل مسؤولية الحصيلة؟

ثمة شيء غير مريح في المشهد السياسي المغربي هذه الأيام.

ليس لأن الأحزاب تختلف؛ فالاختلاف هو أحد شروط السياسة، وليس لأن المنافسة الانتخابية احتدمت؛ فالانتخابات بطبيعتها معركة على ثقة الناخبين.

المقلق هو أن جزءا من هذا الصراع يبدو وكأنه انتقل من التنافس حول البرامج والحصيلة إلى التنافس حول استقطاب الأشخاص والمنتخبين.

وما يجري هذه الأيام بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة يقدم نموذجا صارخا لذلك.

في 25 غشت، خرج المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار ببلاغ يتحدث عن “استمالات وضغوط” قال إنها طالت عددا من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه من طرف الأصالة والمعاصرة، معتبرا الأمر مساسا بأخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي.

وبعد يوم واحد، جاء رد البام رافضا هذه الاتهامات، ومؤكدا أن الانتقال السياسي حق مكفول، ومعتبرا ما ورد في بلاغ الأحرار مغالطات وإقحاما غير مقبول لاسم الحزب.

وهكذا انتقل الخلاف بين حليفين في الحكومة إلى مواجهة سياسية مفتوحة، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

لكن بعيدا عن تفاصيل هذا السجال، ثمة سؤال أكبر بكثير من قضية هذا المنتخب أو ذاك:

متى تتحول السياسة المغربية من حرب على المرشحين إلى منافسة على المشاريع؟

وإذا كان كل حزب يعتقد أن لديه الحصيلة الأفضل والبرنامج الأفضل، فلماذا يصبح استقطاب مرشحي الحزب المنافس قضية مركزية في المعركة؟

السؤال ليس موجها إلى الأحرار وحدهم، ولا إلى البام وحده. إنه سؤال إلى الجميع. لأن انتقال المنتخب من حزب إلى آخر، سواء تم عن اقتناع أو حساب انتخابي أو اختلاف تنظيمي، لا ينبغي أن يصبح بديلا عن السؤال الأساسي: ماذا ستقدم للمغاربة؟ وهنا تبدأ المفارقة الأكبر.

الحزبان اللذان يتواجهان اليوم حول خريطة المرشحين كانا بالأمس شريكين في تدبير الحكومة.

فالأحرار قادوا الحكومة، والبام كان جزءا من أغلبيتها وتحمل مسؤوليات حكومية وتنفيذية.

وبالتالي، فإن المواطنين لا ينتظرون من أحدهما أن يشرح لهم فقط أخطاء الآخر، وإنما ينتظرون منهما معا أن يقدما كشف حساب عن مرحلة كانا شريكين فيها بدرجات مختلفة من المسؤولية.

هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج الانتخابي.

فالسلطة ليست ملكية فردية للحزب الذي يقود الحكومة، والمسؤولية السياسية ليست حكرا على رئيس الحكومة وحده.

كل حزب شارك في الأغلبية، ودافع عن السياسات العمومية، وصوت داخل المؤسسات، وتحمل مسؤوليات تنفيذية، له نصيبه من المسؤولية السياسية.

ولا يمكن أن يصبح الحزب شريكا في النجاح، ثم يتحول إلى مراقب للإخفاقات. ولا يمكن أن تكون القرارات الحكومية جماعية عندما تكون النتائج إيجابية، ثم تصبح مسؤولية طرف واحد عندما يشتد النقد.

السياسة ليست ذاكرة انتقائية. خذوا ملف المحروقات. مجلس المنافسة أشار في معطياته المتعلقة بسنة 2025 إلى أن واردات الغازوال والبنزين بلغت نحو 6.9 ملايين طن، بقيمة إجمالية بلغت 47.1 مليار درهم، مع ارتفاع الكميات المستوردة بـ6.7 في المائة مقارنة بسنة 2024.

هذه أرقام، وليست شعارات. والسؤال السياسي الحقيقي ليس من سيربح المعركة الكلامية حول المحروقات، وإنما: كيف انعكست هذه السوق على المستهلك؟ وكيف اشتغلت المنافسة؟ وما الذي فعلته الحكومة؟ وما الذي كان يمكن أن تفعله؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في قلب البرامج الانتخابية. والأمر نفسه في ملف المواشي.

الحكومة اتخذت قرارات مرتبطة باستيراد الأغنام والأبقار، كما واصلت إجراءات إعادة تشكيل القطيع الوطني، وأعلنت عن دعم مباشر للمربين وفق معايير وعدد الرؤوس. ثم تحول هذا الملف إلى موضوع سياسي ساخن، ووصل النقاش إلى البرلمان، بما في ذلك مبادرة لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول مختلف أشكال الدعم الموجه لاستيراد المواشي وقطاع التربية، وهي مبادرة عارض الفريق النيابي للأحرار الانخراط فيها لأسباب قال إنها دستورية ومؤسساتية وسياسية. هنا أيضا لا ينبغي أن تكون المعركة: من يتهم من؟ بل: كم كلفت هذه السياسات؟ ما أهدافها؟ من استفاد منها؟ هل وصلت آثارها إلى المواطن؟

هل حققت الغاية التي أعلنت من أجلها؟ وأين تكمن المسؤولية السياسية في حالة وجود اختلالات؟

هذه ليست أسئلة عدائية. إنها ببساطة أسئلة الديمقراطية. والشيء نفسه ينطبق على الماء.

المغرب دخل منذ سنوات في سباق استراتيجي مع الإجهاد المائي، وتحلية مياه البحر أصبحت جزءا مركزيا من السياسة العمومية؛ وتحدد خارطة الطريق هدفا يتجاوز 1.7 مليار متر مكعب سنويا من قدرات التحلية في أفق 2030، مع مشاريع كبرى في جهات مختلفة.

هذا ملف استراتيجي ضخم. لكن المواطن لا يحتاج إلى سماع أسماء المشاريع فقط. يحتاج إلى معرفة كلفتها، ونماذج تمويلها، وشروط الشراكات، ومردوديتها، وأثرها على الأمن المائي، وكيفية حماية المال العام في عقود تمتد لسنوات طويلة.

هنا تحديدا ينبغي أن تكون السياسة أكثر تقنية وأقل استعراضا. لأن تدبير الماء ليس مناسبة للخطابة. والصحة ليست مناسبة للتصفيق. والتعليم ليس مادة للمزايدة. والتشغيل ليس شعارا انتخابيا. والقدرة الشرائية ليست رقما في خطاب حزبي.

إنها حياة ملايين المغاربة. ولهذا فإن المشكلة الحقيقية في جزء من الممارسة السياسية المغربية ليست غياب السياسة، وإنما اختزال السياسة في المنافسة الانتخابية.

تظهر الأحزاب بقوة عندما تقترب الانتخابات. تكثر اللقاءات. تتكاثر البيانات. تتغير النبرة. وتبدأ عملية إعادة ترتيب المواقع والمرشحين والتحالفات.

لكن أين كانت هذه الحيوية عندما كان المواطن ينتظر جوابا حول الأسعار؟ أين كانت عندما كان النقاش حول إصلاح الصحة؟ أين كانت عندما كانت قضايا التشغيل والشباب والماء والتعليم في قلب النقاش العمومي؟ ولماذا لا نرى بالقدر نفسه من الحماس ندوات حزبية تقنية مفتوحة حول الدين العمومي، أو إصلاح الإدارة، أو إصلاح منظومة الدعم، أو مستقبل التشغيل، أو الحكامة الترابية، أو أثر المشاريع الكبرى على المالية العمومية؟

لماذا يستطيع الحزب أن يجمع الآلاف في مهرجان انتخابي، لكنه لا يستطيع أن يضع أمام المواطنين وثيقة تفصيلية تقول: هذه حصيلتنا، وهذه أخطاؤنا، وهذه أرقامنا، وهذه التزاماتنا المقبلة؟

هنا تتضح أزمة أعمق من الخلاف بين الأحرار والبام.

إنها أزمة المساءلة داخل الثقافة الحزبية نفسها.

فالمجلس الأعلى للحسابات يواصل، دستوريا، نشر تقاريره حول تدبير المال العام والحياة الحزبية، كما نشر في 2025 تقريره المتعلق بتدقيق حسابات الأحزاب السياسية برسم سنة 2023 وفحص صحة النفقات المصرح بها والدعم العمومي الممنوح لها.  أي أن أدوات المراقبة موجودة. والمؤسسات موجودة. والتقارير موجودة.

لكن السؤال هو: هل تحولت ثقافة التقرير والمراقبة إلى ثقافة سياسية للمساءلة؟

هنا يبدو الخلل.

ففي كثير من الأحيان، يتحول التقرير إلى مادة ظرفية، والاتهام إلى مادة انتخابية، والرد إلى مادة انتخابية مضادة، ثم ينتهي كل شيء بانتهاء الدورة الإعلامية للخبر. بينما ينبغي أن يبقى السؤال قائماً:

من يتحمل المسؤولية؟

ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله الأحزاب بالمواطن هو أن تطلب منه أن ينسى. أن ينسى من كان في الحكومة. أن ينسى من كان في الأغلبية. أن ينسى من دافع عن القرار. أن ينسى من صمت عنه. ثم أن يدخل إلى الانتخابات بذاكرة جديدة تماما.

لكن المواطن المغربي ليس بلا ذاكرة. وهو لا يقيس السياسي فقط بما يقوله اليوم، وإنما بما قاله بالأمس، وبما فعله عندما امتلك سلطة القرار.

ولهذا فإن المعركة الانتخابية المقبلة يجب ألا تتحول إلى عملية جماعية لإعادة كتابة الماضي.

الماضي ليس ملكا للأحزاب. هو ملك للذاكرة العامة. والحصيلة ليست ملكا للحزب الذي يريد تقديمها اليوم بالطريقة التي تناسبه. هي ملك للمواطن الذي عاش نتائجها.

إذا كان الأحرار يرون أن لديهم حصيلة قوية، فليضعوها أمام المغاربة كاملة: بالأرقام، وبالمؤشرات، وبما تحقق وما لم يتحقق.

وإذا كان البام يرى أن لديه رؤية مختلفة، فليشرح أين كان اختلافه داخل الحكومة، وماذا اقترح، وما الذي يعتبره نجاحا أو إخفاقا، وماذا سيفعل بطريقة مختلفة. وليس في ذلك انتقاص من أي طرف. بل بالعكس. هذه هي السياسة التي تحترم الناخب.

أما أن تتحول العلاقة بين حليفين حكوميين إلى حرب انتخابية حول استقطاب المرشحين، وأن يصبح السؤال المركزي هو من أخذ من، ومن انتقل إلى أين، ومن ضغط على من، فذلك يختزل السياسة في الأشخاص بينما المطلوب هو رفعها إلى مستوى الأفكار.

وإذا كانت هناك بالفعل ممارسات تمس حرية الاختيار أو نزاهة المنافسة، فالمكان الطبيعي لمواجهتها هو القانون والمؤسسات والآليات المختصة، لا الاكتفاء ببيانات متبادلة.

وإذا كان الانتقال الحزبي حقا سياسيا، كما يقول البام، فإن الحق السياسي لا يلغي أيضا ضرورة الوضوح الأخلاقي والسياسي أمام الناخب.

بين الأمرين توجد مساحة واسعة يجب أن يملأها القانون والشفافية والمسؤولية.

أما تحويل المسألة إلى معركة بيانات، فلن يجيب عن السؤال الأهم. والسؤال الأهم ليس: من استقطب من؟ بل: لماذا يختار المواطن هذا الحزب أو ذاك؟ هل لأنه اقتنع بمشروعه؟ أم لأن الحزب استطاع أن يستقطب المنتخب الذي يعرفه؟ هل لأنه اقتنع بحصيلته؟ أم لأن السياسي الفلاني انتقل من هنا إلى هناك؟ وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

إذا كانت الأحزاب تريد استعادة ثقة المغاربة، فعليها أن تنتقل من سياسة الأشخاص إلى سياسة المشاريع، ومن منطق الولاءات إلى منطق البرامج، ومن تبادل الاتهامات إلى تحمل المسؤولية.

فالمواطن لا يحتاج إلى حزب يقول له إن خصمه سيئ. يحتاج إلى حزب يقول له: هذه حصيلتي. هذه أخطائي. هذه أرقامي. هذا برنامجي. وهذه هي الطريقة التي سأحاسب بها نفسي إذا منحتني ثقتك. تلك هي السياسة.

وما عداها قد يكون انتخابا، وقد يكون تعبئة، وقد يكون صراعا على المواقع، لكنه لا يكفي لبناء ديمقراطية حزبية ناضجة.

لقد آن الأوان لأن تتوقف الأحزاب عن معاملة المواطن كمتفرج على صراعها الداخلي. فهو ليس متفرجا. إنه صاحب القرار النهائي. وهو الذي سيدخل إلى صندوق الاقتراع يوم 23 شتنبر، لا ليختار بين من يهاجم الآخر أكثر، وإنما ليقرر من يستحق أن يحمل المسؤولية في السنوات المقبلة. أما شركاء الأمس، فليس أمامهم سوى جواب واحد:

إما أن يتقاسموا مسؤولية المرحلة التي دبروا، أو أن يشرح كل طرف، بوضوح وجرأة، أين تنتهي مسؤوليته وأين تبدأ مسؤولية شريكه.

ذلك أن أصعب شيء في السياسة ليس الوصول إلى السلطة. الأصعب هو امتلاك الشجاعة للاعتراف بما فعلت بها.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...