مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
من أكادير إلى جولة الأقاليم الجنوبية. قراءة في الزعامة التي تأبى الرحيل ورهانات انتخابات 2026
“التاريخ لا يصنعه الذين يحتلون المقاعد، بل الذين يحتلون المخيلة الجماعية.”
— مستلهم من فكر ريمون آرون
في السياسة، لا تكون الصورة مجرد صورة، بل خطابا كاملا. وقد يكون ترتيب الجالسين على المنصة أكثر بلاغة من الكلمات التي تلقى فوقها. فالكاميرا لا تنقل المشهد فقط، بل تكشف أحيانا عن موازين القوة التي تحاول البلاغات الرسمية إخفاءها.
من هنا، لا تبدو الجامعة الصيفية لحزب التجمع الوطني للأحرار بأكادير مجرد نشاط تنظيمي عابر، بل لحظة سياسية تستحق التأمل. فمن الناحية النظامية، يتولى محمد شوكي رئاسة الحزب، لكن من الناحية الرمزية بدا عزيز أخنوش الشخصية الأكثر استقطابا للاهتمام، والأكثر حضورا في الوعي البصري والإعلامي. وهنا يبدأ السؤال الذي يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة البناء الحزبي نفسه: هل انتقلت القيادة فعلا، أم انتقلت فقط الصفة؟
لقد كتب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر:
“السلطة لا تختزل في المنصب، بل في القدرة على التأثير وإنتاج الطاعة والشرعية.”
ولذلك، فإن الزعامة لا تنتهي بالضرورة عندما يسلم مفتاح المكتب، لأن النفوذ لا يعيش داخل المكاتب وحدها، بل داخل الذاكرة السياسية للحزب، وشبكات الثقة، والقدرة على احتكار المعنى.
إن الديمقراطية الحزبية لا تختبر فقط في انتخاب قيادة جديدة، وإنما في قدرة تلك القيادة على أن تصبح المرجع الأول في الخطاب والصورة والقرار. فإذا بقيت الأنظار تتجه إلى الزعيم السابق كلما اجتمع الحزب، فإننا نكون أمام انتقال تنظيمي، لا أمام انتقال سياسي مكتمل. وليس هذا السؤال خاصا بالتجمع الوطني للأحرار وحده.
لقد عرف التاريخ الحزبي المغربي محطات ظل فيها الزعيم السابق حاضرا بقوة بعد مغادرته المسؤولية التنظيمية. وعرفت أحزاب كبرى، من بينها حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب الأصالة والمعاصرة، مراحل تداخلت فيها الشرعية التنظيمية مع الشرعية الرمزية، فأصبح السؤال دائما: من يملك التوقيع؟ ومن يملك التأثير؟
فالمنصب يمنح سلطة قانونية، أما الزعامة فتمنح سلطة معنوية، والسياسة كثيرا ما تنحاز إلى الثانية أكثر من الأولى.
ويقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو:
“الرأسمال الرمزي هو أكثر أشكال السلطة قدرة على الاختباء.”
وهذا بالضبط ما يجعل بعض الزعماء يستمرون في توجيه الحياة السياسية حتى بعد مغادرة مواقعهم الرسمية. إنهم يغادرون الكرسي، لكن الكرسي لا يغادرهم.
غير أن قراءة مشهد أكادير تصبح أكثر دلالة إذا وضعت في سياق التحركات السياسية التي تلتها مباشرة. فمنذ 24 يوليوز، أطلق عزيز أخنوش جولة حزبية واسعة شملت الأقاليم الجنوبية للمملكة، في لقاءات تنظيمية وتواصلية حملت رسائل سياسية متعددة، سواء إلى قواعد الحزب أو إلى الرأي العام.
وفي التوقيت السياسي، لا يكون الزمن محايدا. فعندما تتزامن جولة ميدانية يقودها الزعيم السابق للحزب مع بداية العد العكسي للاستحقاقات المقبلة، فإن ذلك يفتح الباب أمام قراءات متعددة. فهناك من يراها ممارسة طبيعية لدور شخصية سياسية تتولى في الوقت نفسه رئاسة الحكومة، وهناك من يقرأها باعتبارها استمرارا للحضور القيادي والرمزي لعزيز أخنوش داخل الحزب، بما يعكس حرص التجمع الوطني للأحرار على المحافظة على صورة قيادته في مرحلة الاستعداد للمنافسة الانتخابية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين القيادة التنظيمية والقيادة الرمزية. فالأولى تحددها القوانين الداخلية، أما الثانية فتصنعها الكاريزما، والتجربة، والصورة الذهنية التي يختزنها المناضلون والرأي العام. ولا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق الوطني العام.
فنحن أمام أفق انتخابي يقترب، وأمام أحزاب تعيد ترتيب مواقعها، وأمام نقاش سياسي متنام حول شكل القيادة التي قد تتصدر المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، تتكاثر التحليلات بشأن مستقبل الأغلبية الحكومية، كما تتداول الأوساط السياسية والإعلامية فرضيات حول أدوار قد تضطلع بها شخصيات وازنة، من بينها فوزي لقجع، وإمكانات إعادة تشكيل موازين القوة بين مكونات الأغلبية إذا شهدت بعض الأحزاب تحولات في قياداتها أو تموقعها. وحتى الآن، تبقى هذه السيناريوهات في نطاق التحليل السياسي، ولا تستند إلى معطيات رسمية تؤكدها.
وهنا تبرز أهمية الصورة التي خرجت بها الجامعة الصيفية، ثم الجولة التي أعقبتها في الأقاليم الجنوبية. فإذا كان التجمع الوطني للأحرار يريد أن يبعث برسالة مفادها أن تجربته مستمرة ومتجذرة في مختلف جهات المملكة، فإن خصومه قد يقرأون الرسالة بطريقة مختلفة، باعتبارها دليلا على أن انتقال الزعامة لم يكتمل بعد.
وفي المقابل، تبدو أحزاب أخرى، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة، معنية هي أيضا بإبراز قدرتها على إنتاج قيادة قادرة على مخاطبة المرحلة المقبلة، لأن المنافسة في الاستحقاقات القادمة لن تكون فقط بين البرامج، بل أيضا بين صور القادة، وقدرتهم على تمثيل مشروع سياسي مقنع.
لقد كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي:
“الأزمة هي أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد.”
لكن السؤال في الحالة المغربية يبدو مختلفا قليلا: هل القديم يحتضر فعلا، أم أنه يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة؟
وهنا نستحضر قول ابن خلدون:
“الملك إذا فسد تداعت إليه أسباب الهرم.”
وليس المقصود هنا فسادا أخلاقيا، بل جمود البنى وعجزها عن تجديد النخب وإفساح المجال أمام انتقال فعلي للقيادة. فالحزب الذي يعجز عن صناعة خلف قوي، يظل أسيرا لماضيه مهما كانت إنجازاته.
إن أكبر امتحان يواجه أي حزب ليس الفوز بالانتخابات، بل القدرة على إنتاج زعيم جديد من دون أن يشعر أعضاؤه بأن الحزب فقد بوصلته. فالزعيم المؤسس أو الزعيم القوي يمكن أن يكون مصدر قوة، لكنه قد يتحول أيضا، من حيث لا يقصد، إلى سقف يصعب على من يخلفه أن يرتفع فوقه.
وفي هذا السياق، لا يصبح السؤال: هل عاد أخنوش إلى الواجهة؟ بل: هل غادرها أصلا؟
ولا يصبح السؤال: هل يقود محمد شوكي الحزب تنظيميا؟ بل: هل يملك اليوم كامل المساحة السياسية والرمزية لقيادته؟
أما السؤال الأكبر، الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة، فهو ما إذا كانت الأحزاب المغربية، وهي تستعد للاستحقاقات المقبلة، ستنجح في تقديم قيادات جديدة تمتلك شرعيتها الذاتية، أم أنها ستظل تعتمد على رصيد زعمائها السابقين، في وقت تتسارع فيه التحولات، وتتجدد فيه رهانات المنافسة على قيادة الحكومة المقبلة.
لقد قال شارل ديغول:
“لا توجد سياسة تستحق اسمها من دون رؤية للمستقبل.”
والمستقبل لا تصنعه الأحزاب التي تكتفي بحماية إرثها، وإنما الأحزاب التي تعرف كيف تحترم زعماءها، من دون أن تحرم خلفاءهم من حقهم في صناعة زعامتهم.
ويبقى الدرس الأهم أن انتقال المنصب لا يعني دائما انتقال القيادة، وأن الديمقراطية الحزبية تبلغ نضجها الحقيقي عندما تصبح المؤسسة أقوى من الأشخاص، ويصبح التداول على الزعامة أمرا طبيعيا لا استثنائيا.
فبين ظل الزعيم، وصوت الرئيس، وجولات التعبئة السياسية من أكادير إلى الأقاليم الجنوبية، تقف الأحزاب المغربية أمام أصعب امتحان في الديمقراطية: أن تنتقل القيادة، لكن لا أن ينتقل المنصب فقط.
