مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليست قوة الدول في قدرتها على إنفاذ القانون فحسب، وإنما في قدرتها، أيضا، على أن تجعل من القانون جسرا إلى الثقة، ومن العدالة بابا للأمل. فثمة لحظات لا يقاس أثرها بعدد الملفات التي أغلقت، ولا بعدد الأشخاص الذين استعادوا حريتهم، بل بما تضيفه إلى الرصيد الأخلاقي للدولة، وبما تبعثه في المجتمع من يقين بأن الحكمة تظل دائما أعلى درجات ممارسة السلطة.
من هذا المنظور، يكتسب قرار النيابة العامة القاضي بإطلاق سراح الصحافي علي المرابط، بعد استكمال البحث والاطلاع على وثائق الملف وإنجاز الخبرات التقنية اللازمة، دلالة تتجاوز حدوده الإجرائية. فهو لا يقرأ بوصفه نهاية لمسار قانوني فحسب، بل باعتباره مؤشرا على أن الدولة، وهي تمارس اختصاصاتها في إطار الشرعية وسيادة القانون، لا تغلق أبواب الحكمة، ولا تنفصل عن بعدها الإنساني، ولا تفقد قدرتها على الإصغاء لما تقتضيه المصلحة العليا للوطن.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تقاس فقط بما تشيده من بنى تحتية أو بما تحققه من مؤشرات اقتصادية، وإنما كذلك بما تمتلكه من شجاعة سياسية وأخلاقية في إدارة لحظات الانفراج. فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا ترى في الانفتاح ضعفا، ولا في التسامح تراجعا، بل تعتبرهما تعبيرا عن رسوخ الشرعية وثقتها في نفسها. أما القوة التي تخشى المصالحة، فهي قوة لم تكتمل بعد.
وفي التجارب السياسية الكبرى، كثيرا ما كانت لحظات الاحتواء أكثر خلودا من لحظات المواجهة، لأن الذاكرة الوطنية لا تحفظ فقط كيف تدار الأزمات، بل تحفظ أيضا كيف تطوى بحكمة، وكيف تتحول من مصدر للتوتر إلى فرصة لتعزيز التلاحم الوطني.
ولذلك، فإن الإفراج عن علي المرابط يفتح أفقا لتساؤل مشروع: هل يشكل هذا القرار بداية مناخ أوسع عنوانه ترسيخ الانفراج وتعزيز الثقة؟
إن السؤال لا يفرض نفسه من زاوية شخص أو ملف بعينه، وإنما لأن المغرب يوجد اليوم أمام استحقاقات استراتيجية كبرى؛ من مواصلة تنزيل النموذج التنموي الجديد، وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، إلى كسب المزيد من التأييد الدولي لقضية الصحراء المغربية، في سياق إقليمي ودولي متغير، أصبحت فيه قوة الجبهة الداخلية أحد أهم عناصر الأمن الاستراتيجي للدول.
وفي مثل هذه اللحظات، تغدو المبادرات ذات البعد الإنساني استثمارا وطنيا بعيد المدى، لأنها توسع دائرة الثقة، وتبعث رسائل اطمئنان إلى الداخل، كما تعزز صورة الدولة في الخارج باعتبارها دولة مؤسسات تجمع بين هيبة القانون وسعة الحكمة.
ومن هذا المنطلق، يبدو طبيعيا أن يمتد الأمل إلى أن تكون هذه الخطوة فاتحة لمسار أرحب، قد يتوج بعفو ملكي يشمل النقيب محمد زيان، بما يسمح بعودته إلى أسرته بعد سنوات من المحنة، كما يمتد إلى معتقلي حراك الريف، ومعتقلي أكديم إيزيك، وغيرهم ممن ارتبطت ملفاتهم بمحطات احتجاجية مختلفة، وذلك في إطار ما يخوله الدستور للمؤسسة الملكية من اختصاص أصيل في ممارسة العفو باعتباره تعبيرا عن السيادة، وتجسيدا للقيم الإنسانية التي تميز الدولة المغربية.
ولا يتعلق الأمر، بأي حال، بإعادة النظر في الأحكام القضائية أو الانتقاص من استقلال السلطة القضائية، فالدولة الحديثة لا تقوم على منطق العاطفة، وإنما على احترام المؤسسات. غير أن العفو الملكي، في التجربة الدستورية المغربية، ظل دائما مؤسسة قائمة بذاتها، تستمد مشروعيتها من بعدها السيادي والإنساني، وتؤدي وظيفة تتجاوز القانون إلى ترميم الثقة وتعزيز التماسك الوطني كلما اقتضت ذلك المصلحة العليا للبلاد.
ولم يكن التاريخ المغربي، في محطات مفصلية عديدة، بعيدا عن هذا المنطق. فقد شكلت المبادرات الملكية، في أكثر من مناسبة، لحظات فارقة أعادت تهدئة النفوس، ووسعت دائرة التوافق، ورسخت صورة المغرب كدولة قادرة على إدارة اختلافاتها بالحكمة، دون أن تمس بثوابتها أو تفرط في هيبة مؤسساتها.
إن العالم المعاصر لم يعد يقيس قوة الدول بما تملكه من إمكانات مادية فقط، بل بقدرتها على إدارة التنوع والاختلاف، وتحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز الوحدة الوطنية. فالثقة ليست نتاج الخوف، والاستقرار ليس مرادفا للصمت، وإنما ثمرة شعور المواطنين بأن الدولة تتسع للجميع، وتحمي الجميع، وتمنح الجميع أملا في المستقبل.
والمغرب، وهو يتهيأ لاستحقاقات وطنية ودولية كبرى، أحوج ما يكون إلى تعبئة كل طاقاته، وإلى استثمار كل رصيده البشري، وإلى ترسيخ مناخ من الثقة يجعل الاختلاف مصدر قوة، لا سببا للانقسام. فالأوطان لا تنتصر عندما يغلب فريق فريقا آخر، وإنما عندما يربح الجميع وطنهم.
إن أجمل ما يمكن أن تمنحه الدولة لمواطنيها في هذه المرحلة ليس فقط الإحساس بالأمن، وإنما الإحساس بالإنصاف؛ وليس فقط الثقة في المؤسسات، وإنما الثقة في المستقبل. وعندما تصدر الرحمة من موقع القوة، فإنها لا تنتقص من هيبة الدولة، بل تضاعفها، لأنها تعلن بثقة أن الدولة التي لا تخشى التسامح هي دولة واثقة من شرعيتها ومن تماسكها.
وعندئذ، لن يكون الإفراج عن شخص، أو العفو عن مجموعة، مجرد حدث عابر في دورة الأخبار، بل سيغدو رسالة سياسية وأخلاقية بليغة، مؤداها أن المغرب، وهو يواصل بناء مستقبله، يدرك أن قوة الدولة لا تختزل في سلطة العقاب، وإنما تكتمل بقدرتها على احتضان أبنائها كلما نضجت شروط ذلك، وأن الأوطان التي تعرف متى تفتح صفحة جديدة، هي وحدها القادرة على كتابة تاريخها بثقة، وصون وحدتها بحكمة، وتعزيز مكانتها بقوة أخلاقية لا تقل شأنا عن قوة القانون.
