مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
قرار تسقيف سن التعليم في 35 سنة يعيد طرح سؤال العدالة المعرفية وحق الإنسان في البدء من جديد
من جديد، يجد جيل التسعينات نفسه في قلب الإقصاء. فقرار تسقيف سن الولوج إلى التعليم والتكوين في 35 سنة، الذي أعيد إقراره أخيرا، يبدو ظاهريا خطوة تنظيمية تهدف إلى ضبط المنظومة التعليمية، لكنه في العمق يعكس خللا بنيويا في فلسفة التعامل مع الإنسان ككائن قابل للتطور مدى الحياة. إنه قرار يبدو إداريا، لكنه في جوهره سياسي واجتماعي، يختزل التعليم في خانة عمرية، ويسقط العدالة من معادلة الحلم.
فمنذ بداية الألفية، وجيل التسعينات يعيش حالة استثناء دائمة: إصلاحات تعليمية متتابعة، بطالة متفاقمة، وسياسات تشغيل مرتبكة. واليوم، حين حاول بعض أفراده العودة إلى مقاعد التكوين أو استئناف دراستهم بعد سنوات من الانقطاع، وجدوا الباب موصدا في وجوههم بسقف زمني صارم.
“ليس ذنبنا أننا تأخرنا، بل ذنب الظروف التي لم تسمح لنا بالبدء مبكرا”، تقول أمينة (33 سنة)، شابة تقدمت بطلب تسجيل في أحد مراكز التكوين المهني فقوبل طلبها بالرفض لأنها تجاوزت السن القانوني. تضيف بأسى: “في هذا البلد، حتى الحلم له تاريخ انتهاء الصلاحية”
منذ أن قال الفيلسوف الأمريكي جون ديوي: “التعليم ليس استعدادا للحياة، بل هو الحياة نفسها”، أصبحت فكرة التعلم مدى الحياة مبدأ أساسيا في الفكر التربوي الحديث. لكن قرارات من هذا النوع تعيدنا إلى الوراء، حيث يعامل التعليم كامتياز إداري لا كحق إنساني مستمر.
في الدول التي تراهن على الإنسان كقيمة، تنشأ برامج “التعليم مدى الحياة” (Lifelong Learning)، تتيح للكبار وللمتأخرين عن الدراسة فرصا جديدة للانخراط في مسارات مرنة، دون أن يسألهم أحد عن عمرهم. أما في كثير من الدول العربية، فالحل الأسهل هو الإقصاء بدل التكييف، وكأن السياسات التربوية تبنى لا لخدمة المواطنين، بل لتقليص عددهم في اللوائح.
كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو:
“أخطر أشكال العنف هي تلك التي تمارس باسم النظام، وتبرر بالعقلانية.”
وهو بالضبط ما يفعله هذا القرار: يقصي باسم التنظيم، ويظلم باسم الكفاءة.
تبرر الجهات الرسمية القرار بحجج إدارية: الرغبة في ضمان تجانس الأعمار في الفصول، وتنظيم الولوج، وتوجيه الجهود نحو فئة الشباب. لكن هذه الحجج تتجاهل سؤال العدالة:
ماذا عن أولئك الذين منعتهم الحياة من استكمال تعليمهم في الوقت المحدد؟
أين هي البدائل؟ المسارات الموازية؟ فرص إعادة التكوين؟
في عالم اليوم، لم يعد التعليم مجرد مرحلة، بل حق قابل للاستئناف في أي لحظة من العمر. وكما كتب المفكر البرازيلي باولو فريري في كتابه “تربية المقهورين”:
“حين تغلق أبواب المعرفة، لا يبقى أمام الإنسان إلا أن يعيش في الظل.”
وظيفة الدولة ليست إغلاق الأبواب باسم التنظيم، بل فتح نوافذ جديدة باسم الأمل.
ربما ما يقلق صانع القرار ليس عمر جيل التسعينات، بل وعيه. فهو الجيل الذي كسر الصمت وبدأ يطالب بحقه في إعادة المحاولة.
جيل يعرف أن العدالة التعليمية لا تتحقق بالمساواة الشكلية، بل بتمكين المختلفين من فرص متكافئة. ومع ذلك، تستمر المؤسسات في معاملته كجيل فائض، خارج الخطة الزمنية، كأنه خلق في التوقيت الخطأ.
سياسات التسقيف، في حقيقتها، ليست تنظيما بل إعلان نهاية مفتوحة لجيل بأكمله. فحين تمنع فئة من التعلم، تمنع من التطور، وتختزل كقوة عمل مؤجلة لا كعقول يمكن أن تسهم في الإنتاج الفكري أو الاقتصادي.
إن إقصاء من تجاوز 35 سنة من التعليم هو ضرب من الانتحار المعرفي. فالمجتمعات التي تحرم نفسها من طاقات الكبار، تسرع شيخوختها الفكرية.
حين نقول للإنسان “لقد تأخرت”، فإننا عمليا نقول له: “توقف عن الحلم”.
لكن الأمم لا تنهض بالشباب وحدهم، بل بكل من يمتلك الشجاعة على البدء من جديد، في أي عمر.
وكما كتب الشاعر محمود درويش:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة،
وعلى هذه الأرض من يستحق أن يتعلم كي يحيا.”
إن تسقيف سن التعليم في 35 سنة في الأخير، ليس مجرد رقم إداري، بل فلسفة رؤيةترى في الإنسان كائنا ينتهي صلاحيته عند سن معينة.
لكن الحقيقة البسيطة التي تتجاهلها السياسات هي أن العمر لا يقاس بالسنين، بل بالرغبة في التغيير.
جيل التسعينات لا يطلب معجزة.
كل ما يريده هو حق متأخر في فرصة مؤجلة.
فهل تمتلك الدولة الشجاعة لتقول له: ما زال الوقت ممكنا؟
