Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

من الوصاية إلى الشراكة .. هل تعلمت باريس أخيرا لغة الرباط؟

ليست كل المصافحات متشابهة، كما أن الاتفاقيات ليست كلها سواء. ففي عالم السياسة، كثيرا ما تتحول الابتسامات الرسمية إلى رسائل قوة، وتصبح الطاولات المستديرة ساحات لإعادة رسم خرائط النفوذ أكثر مما تكون فضاءات لتبادل المجاملات الدبلوماسية.

من هذه الزاوية تحديدا، ينبغي قراءة الزيارة الحكومية الفرنسية الأخيرة إلى المغرب، وما رافقها من حضور غير مسبوق لعشرات الوزراء، وتوقيع خمس عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم، والإعلان عن استثمارات بمليارات اليوروهات. فالحدث، في عمقه، لا يتعلق فقط بالتعاون الاقتصادي، بل يكشف عن إعادة تموضع سياسي واستراتيجي بين بلدين جمعتهما ذاكرة معقدة، ويفرض عليهما المستقبل إعادة تعريف قواعد العلاقة.

لقد اعتادت باريس، لعقود طويلة، أن تنظر إلى المغرب من زاوية الإرث التاريخي، باعتباره فضاء تقليديا لنفوذها السياسي والثقافي والاقتصادي. غير أن المغرب الذي كانت تعرفه فرنسا لم يعد هو المغرب الذي يجلس اليوم إلى طاولة التفاوض.

خلال العقدين الأخيرين، تغيرت معادلات كثيرة. توسعت الشراكات المغربية شرقا وغربا، وتعزز الحضور المغربي داخل إفريقيا، وانفتحت الرباط على قوى دولية جديدة، وأصبحت قادرة على تنويع خياراتها دون الارتهان لشريك واحد. والأهم من ذلك أن الدبلوماسية المغربية نجحت في تحويل قضية الصحراء من ملف دفاعي إلى معيار حقيقي لقياس صدقية الشراكات الدولية.

حين تأخرت باريس في فهم هذه التحولات، تركت فراغا ملأته قوى أخرى. ولم يكن الأمر مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل كان تعبيرا عن أزمة قراءة فرنسية لمغرب جديد لم يعد يقبل العلاقات الرمادية، ولا الدبلوماسية التي تؤجل الحسم في القضايا المصيرية.

اليوم، تبدو فرنسا وكأنها تعود إلى الرباط وهي أكثر إدراكا لحجم التحول الذي وقع. فهي تدرك أن المغرب أصبح بوابة استراتيجية نحو إفريقيا، ومنصة صناعية ولوجستية متقدمة، وشريكا موثوقا في ملفات الأمن والطاقة والهجرة، كما أصبح فاعلا إقليميا يصعب تجاوزه في معادلات غرب البحر الأبيض المتوسط.

لكن في المقابل، لا يعود المغرب إلى فرنسا من موقع الباحث عن الاعتراف أو الحماية، وإنما من موقع الدولة التي تفاوض على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل. وهذه هي النقلة النوعية الحقيقية.

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الرأي العام المغربي ليس عدد الاتفاقيات الموقعة، بل مضمونها الحقيقي، ولا قيمة الاستثمارات المعلنة فقط، بل أثرها على الاقتصاد الوطني، وعلى نقل التكنولوجيا، وخلق فرص الشغل، وتعزيز السيادة الصناعية، وتحقيق العدالة المجالية.

فكم من اتفاقيات ملأت عناوين الصحف ثم اختفت آثارها بعد انتهاء المؤتمرات الصحفية؟

إن المواطن المغربي لا ينتظر صورا تذكارية بين المسؤولين، بل يريد أن يرى أثر تلك الشراكات في المدرسة، والمستشفى، والميناء، والمصنع، والجامعة، وفي تحسين جودة الحياة. فالدبلوماسية الناجحة ليست تلك التي تملأ الأرشيف بالاتفاقيات، وإنما التي تغير حياة الناس.

كما أن فرنسا بدورها مطالبة بمراجعة عميقة لطبيعة حضورها في المغرب. فالعلاقات التي تؤسس على الحنين إلى الماضي محكوم عليها بالتآكل، أما العلاقات التي تبنى على التكافؤ والابتكار والاستثمار المنتج واحترام الخيارات السيادية، فهي وحدها القادرة على الاستمرار.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن السياسة الخارجية المغربية لم تعد تقوم على منطق الاصطفاف، بل على فلسفة تنويع الشركاء. لذلك، فإن عودة الدفء إلى العلاقات المغربية الفرنسية لا تعني أبدا العودة إلى زمن الاحتكار الفرنسي، بل تعني دخول الهواء باريس إلى فضاء تنافسي جديد، عليها فيه أن تقنع المغرب بما تقدمه، لا بما كانت تمثله تاريخيا. وهنا يكمن التحول الأهم.

فالرباط لم تعد تفاوض انطلاقا من التاريخ، بل من المستقبل.

ولعل فرنسا نفسها باتت تدرك أن نفوذها في إفريقيا يتراجع، وأن إعادة بناء حضورها الإقليمي تمر، بدرجة كبيرة، عبر شريك مستقر وموثوق مثل المغرب، القادر على وصل أوروبا بعمقها الإفريقي، وربط المصالح الاقتصادية بالاستقرار السياسي.

لكن النجاح الحقيقي لهذه المرحلة لن يقاس بعدد الوزراء الذين حضروا، ولا بحجم الأرقام التي أعلنت، بل بقدرة الطرفين على بناء ثقة استراتيجية لا تهتز مع تغير الحكومات أو تبدل المزاج السياسي في باريس.

لقد علمتنا التجربة أن العلاقات المغربية الفرنسية مرت بمحطات تقارب كما مرت بأزمات حادة، من إرث الحماية إلى ملفات الذاكرة، ومن قضية المهدي بن بركة إلى الخلافات الأمنية والقضائية، وصولا إلى التوتر الذي سبق الاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على صحرائه. لذلك، فإن الحكمة السياسية تقتضي ألا يقرأ التقارب الحالي باعتباره نهاية التاريخ، بل بداية اختبار جديد.

في السياسة، لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. غير أن الدول الكبيرة هي التي تنجح في تحويل المصالح الظرفية إلى شراكات مستقرة، قائمة على الوضوح والاحترام والثقة.

وإذا كانت باريس قد جاءت إلى الرباط لتفتح صفحة جديدة، فإن المغرب لم يعد مستعدا لقراءة الصفحات القديمة. لقد تغير المغرب، والسؤال الذي يبقى معلقا هو:

هل تغيرت فرنسا بالقدر الكافي لتفهم ذلك؟


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...