Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

كتاب ” نزهة في المغرب : طنجة وتطوان وسبتةسنة 1835م”.. رحلة استكشافية أم مشروع استعماري؟

لم يكن أدب الرحلة يومًا مجرد وصف للأمكنة أو تسجيل لمشاهدات عابرة، بل كان في كثير من الأحيان مرآة تعكس رؤية الرحالة للعالم، بما تحمله من تصورات ثقافية وأحكام مسبقة. ومن هذا المنطلق يكتسب كتاب “نزهة في المغرب: طنجة وتطوان وسبتة سنة 1835م” للرحالة الفرنسي شارل ديدييه، في ترجمته العربية للدكتور بوشعيب الساوري أهمية خاصة؛ إذ يقدم صورة عن المغرب خلال القرن 19 في مرحلة تاريخية دقيقة سبقت فرض الحماية بسنوات، ويكشف في الوقت نفسه عن طبيعة الخطاب الاستشراقي الذي كان يمهد للمشروع الاستعماري الأوروبي.
وصل شارل ديدييه إلى المغرب سنة 1835م، في فترة شهدت تصاعد الاهتمام الأوروبي بالمغرب عقب الاحتلال الفرنسي للجزائر، فزار طنجة وتطوان وسبتة، وسجل مشاهداته حول المجتمع المغربي، ودينه، وعاداته، ومؤسساته، وعلاقاته الاجتماعية. غير أن قراءة متأنية للكتاب تكشف أن الرحلة لم تكن وصفًا محايدًا، بل جاءت محملة بأحكام نابعة من خلفية أوروبية استعلائية أثرت في طريقة تصويره للمغرب والمغاربة.

قد يبدو هذا كتاب في ظاهره مجرد رحلة إلى شمال المغرب، غير أن القراءة النقدية تكشف سريعًا أن الأمر يتجاوز حدود الوصف والانبهار بالمكان. فالرحلة كُتبت في لحظة تاريخية كانت أوروبا تعيد رسم خرائط نفوذها بعد احتلال الجزائر سنة 1830م، وهو ما يجعلها جزءًا من خطاب استعماري سعى إلى استكشاف المغرب تمهيدًا لإخضاعه، لا إلى التعرف عليه فحسب.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن ديدييه لا يخفي نواياه منذ الصفحات الأولى؛ إذ يوجه دعوة صريحة إلى القوى الأوروبية لاحتلال المغرب، ويصور الإسلام باعتباره العقبة الكبرى أمام المشروع الغربي، ويقلل من شأن الجيش المغربي، بل يقترح استعمال القوة العسكرية واحتجاز الرهائن قبل الدخول في أي مفاوضات، كما يرسم تصورًا لتقاسم الموانئ والمدن المغربية بين الدول الأوروبية. إنها ليست لغة رحالة يبحث عن المعرفة، وإنما خطاب استراتيجي يحمل ملامح تقرير سياسي واستخباراتي يخدم التوسع الاستعماري.
ولتحقيق هذا الهدف، عمل الرحالة على بناء صورة قاتمة عن المغرب، فقدم المجتمع المغربي باعتباره فضاءً منغلقًا ومتخلفًا، وفسر الشعائر الإسلامية والعادات الاجتماعية بمنظار استعلائي، متجاهلًا سياقاتها الحضارية والدينية. كما ركز على إبراز مظاهر الاختلاف والتوتر وعدم التعايش مع اليهود والمسحيين، في محاولة لترسيخ صورة نمطية تُقنع القارئ الأوروبي بأن هذا البلد يحتاج إلى “التمدين” والتدخل الخارجي.
ومن هنا، لا تبدو رحلة شارل ديدييه مجرد مذكرات سفر، بل تتحول إلى وثيقة استشراقية تحمل بين سطورها خرائط ذهنية للغزو، وتكشف كيف استُخدم أدب الرحلة أداةً لجمع المعلومات، ورصد البنية الدينية والاجتماعية والسياسية للمغرب، وصناعة خطاب يبرر التدخل الاستعماري أمام الرأي العام الأوروبي. ولهذا، فإن قيمة هذا الكتاب اليوم لا تكمن في أحكامه على المغاربة، بقدر ما تكمن في كشفه لآليات الخطاب الاستشراقي الذي سبق الاحتلال، ومهّد له فكريًا وسياسيًا، وجعل من الرحالة عينًا تراقب، وقلمًا يمهد، وخطابًا يصنع الشرعية للاستعمار.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...