Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

بين الموت والذاكرة: هل يموت الفنان فعلا؟

من رثاء يجيء مثقلا بصوت كان يشبه وجع الناس أكثر مما يشبه الغناء، كأن الفقد حين يمر من هنا، يترك صوته عالقا في الهواء، لا يهدأ ولا يغيب، هكذا نحاول أن نقترب من أحمد قعبور، لا بوصفه اسما في ذاكرة الغناء، بل كوجع ناطق، كحكاية لم تكتمل، وكصوت ظل يقول ما عجز عنه كثيرون  ثم مضى تاركا فينا هذا الصدى الثقيل؛ هو ذاك الذي لم يكن عابرا في الذاكرة، بل كان ندبة مضيئة في جسدها. هنا، لا تستعاد الأغنيات كألحان فقط، بل كأعمار مكسورة، كصرخات مؤجلة، وكحكاية وطن ظل يفتش عن صوته في حنجرته.

يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر إن “الإنسان هو الكائن الذي يسكن اللغة”، ويمكننا أن نضيف: والفنان هو من يجعل اللغة تسكن الناس. هكذا كان قعبور؛ لم يغن فقط، بل أعاد تشكيل الوعي الجمعي عبر الأغنية.

حين صدح بـ“أناديكم”، المأخوذة عن قصيدة توفيق زياد، لم يكن يقدم عملا فنيا عابرا، بل كان يؤسس لذاكرة مقاومة عابرة للأجيال، حتى تحولت الأغنية إلى ما يشبه “نشيدا غير رسمي” للوجدان العربي  .

هنا يصبح السؤال الفلسفي مشروعا:

هل يموت من استطاع أن يتحول إلى صوت جماعي؟

التاريخ يجيبنا بالنفي. فكما لم يمت مارسيل خليفة في أغانيه، ولا زياد الرحباني في مسرحه، فإن قعبور لن يغيب إلا جسدا، لأن أثره انتقل من الفرد إلى الجماعة، ومن اللحظة إلى الزمن الطويل.

ينتمي أحمد قعبور إلى جيل “الأغنية الملتزمة”، ذلك التيار الذي ولد من رحم الأزمات العربية الكبرى، خاصة بعد نكسة 1967 والحرب الأهلية اللبنانية. لم يكن الفن عنده ترفا، بل ضرورة أخلاقية.

في هذا السياق، يمكن استحضار قول المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي:

“كل إنسان مثقف، لكن ليس كل إنسان يؤدي وظيفة المثقف”.

قعبور أدى هذه الوظيفة بامتياز. لقد جعل من الأغنية أداة وعي، ومن اللحن خطابا سياسيا غير مباشر، ومن المسرح مساحة مقاومة. لم يكن تابعا لحزب، لكنه كان منحازا للإنسان، وهي أصعب أشكال الانحياز.

مشهد التشييع في بيروت لم يكن حدثا جنائزيا فقط، بل كان استعادة لذاكرة مدينة. مدينة الحرب، والنجاة، والحنين. مدينة تعبت من الخسارات، لكنها تعرف كيف تحفظ أسماءها.

لقد خرجت بيروت لتقول إن الفن الذي يلامس الحقيقة لا ينسى. وربما لهذا السبب تحديدا، بدا المشهد أقرب إلى “استفتاء شعبي” على قيمة الفن الملتزم في زمن تراجعت فيه القضايا الكبرى لصالح الفردانية.

في هذا الإطار، يمكن قراءة الحضور الشعبي الكثيف بوصفه مقاومة للنسيان، لأن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الموت، بل فقدان الذاكرة.

لم يكن قعبور أسير أغنية واحدة، رغم شهرة “أناديكم”. بل استطاع أن يبني مشروعا فنيا متكاملا امتد من المسرح إلى السينما إلى أغاني الأطفال، مؤكدا أن الالتزام لا يعني الانغلاق، بل الانفتاح على الإنسان في كل مراحله  .

وهنا تحضر مقولة ألبير كامو:

“الفن ليس متعة فردية، بل صرخة في وجه العبث”.

وقعبور كان تلك الصرخة الهادئة. لم يرفع صوته بالصخب، بل بالصدق. لم يزايد، بل عبر. لذلك بقي، بينما سقط كثيرون في امتحان الزمن.

في لحظة الدفن، يظن البعض أن الحكاية انتهت. لكن الحقيقة أن الحكاية تبدأ من هناك. لأن الفنان الحقيقي لا يقاس بعمره البيولوجي، بل بقدرته على الاستمرار بعد موته.

رحل أحمد قعبور عن 71 عاما، بعد صراع مع المرض، لكنه ترك ما هو أهم من العمر: ترك أثرا .

وفي زمن تتآكل فيه المعاني، يصبح هذا الأثر شكلا من أشكال المقاومة.

ربما كان أعظم ما فعله أحمد قعبور أنه جعل من صوته وطنا مؤقتا لمن لا وطن لهم. ولذلك، فإن وداعه في بيروت لم يكن وداعا لبنانيا فقط، بل عربيا بامتياز.

لقد أثبت أن الفن، حين يكون صادقا، يمكن أن يكون بديلا عن الخطب، وعن البيانات، وعن الضجيج.

وفي النهاية، يمكن تلخيص إرثه في فكرة واحدة:

ليس المهم أن نغني… بل لماذا نغني.

وهذا السؤال، الذي عاش لأجله قعبور، سيبقى مفتوحا بعده…

ربما أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...