نحو قانون وطني لمحاصرة التفاهة الرقمية وصون القيم داخل المجتمع المغربي
اعداد بدر شاشا
شارك
يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة طفرة رقمية غير مسبوقة، تحولت معها وسائل التواصل الاجتماعي إلى جزء من الحياة اليومية للمواطنين، وأضحت المنصات الافتراضية فضاءً لإنتاج المعنى وتبادل الخطاب وصناعة الرموز. غير أن هذا الفضاء الذي كان يُفترض أن يشكل امتداداً للتنوير وتطوير النقاش العمومي وإثراء الحسّ النقدي، انزلق تدريجياً نحو هيمنة غير مسبوقة لخطاب التفاهة، حيث أصبحت السطحية والبذاءة والمحتويات الفارغة تقتحم المجال العام وتعيد تشكيل وعي فئات واسعة، خاصة من الشباب واليافعين الذين لم تتشكل لديهم بعد المناعة الثقافية القادرة على غربلة ما يصلهم من مضمون رقمي.
لقد أصبحت التفاهة في الفضاء الرقمي المغربي واقعاً يومياً يفرض نفسه بقوة من خلال آليات الاشتغال السريعة للمنصات، التي تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ الجودة، وتعلي من شأن المشاهدات على حساب القيمة، وتمنح سلطة رقمية لمن ينجح في إثارة الضجيج، ولو على حساب العقل والذوق العام والأخلاق الجماعية. وهذا الواقع لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى بنية تنتج أنماطاً جديدة من الشهرة، وترسخ قيماً استهلاكية فردانية، وتضعف سلطة المعرفة، وتفكك أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية من أسرة ومدرسة ومسجد وجمعيات مدنية.
إن خطورة التفاهة الرقمية لا تكمن فقط في كونها تنتشر بسرعة غير مسبوقة، بل في قدرتها على صياغة معايير جديدة للسلوك وإعادة تعريف النافع والضار، والمسموح والممنوع، والمقبول والمرفوض. فحين يصبح المحتوى الغرائزي أو المبتذل أكثر انتشاراً من المحتوى التربوي أو العلمي، يصبح الانحراف قاعدة والالتزام استثناء، وحين يتحول صانعو العبث إلى قدوات رقمية، يصبح التقليد الأعمى هو المسار الطبيعي لتكوين الهوية، ويغدو الانكفاء على النزوات والغرائز بديلاً عن السعي نحو المعرفة والترقي.
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إطار قانوني وطني صارم يضمن حماية المجتمع المغربي من هذا الانجراف القيمي، ويعيد الاعتبار للجدية والعمق والاحترام داخل الفضاء الرقمي. إن الدعوة إلى إخراج قانون لمنع نشر التفاهة ليست دعوة إلى تقييد حرية التعبير، بل هي دفاع عن حق المجتمع في بيئة رقمية سليمة، تحفظ أخلاقه وثقافته، وتضمن لأفراده الحق في الوصول إلى محتوى يحترم كرامتهم ويصون ذوقهم العام. فكل الحريات في العالم الديمقراطي مؤطرة بالقانون، ولا حرية مطلقة حين يتعلق الأمر بتأثير مباشر على الأجيال الناشئة وعلى النسق القيمي العام.
إن إخراج قانون لمنع التفاهة الرقمية يتطلب رؤية تشريعية شاملة لا تقتصر على المنع والعقوبات، بل تقوم على بناء بيئة بديلة تشجع على المحتوى الجاد، وتدعم المبادرات الثقافية والتربوية والإبداعية، وتمنح قيمة مضافة لصناع المحتوى الهادف. كما ينبغي أن يتضمن هذا الإطار القانوني تعاريف دقيقة لما يُعد محتوى مضراً أو محرضاً على السلوك الهدّام أو مسيئاً للآداب العامة، وأن يحدد آليات عملية للرصد والمتابعة، حتى لا يتحول إلى مجرد نص معلق في رفوف التشريعات.
وفي الوقت نفسه، يحتاج المغرب إلى العمل على تنمية الوعي الإعلامي لدى المواطنين، من خلال إدراج التربية الرقمية داخل المناهج التعليمية، وتشجيع الأسر على لعب دورها في توجيه الأبناء، وتفعيل دور المؤسسات الدينية والثقافية في ترشيد السلوك الرقمي. فالقانون وحده، مهما كان متقدماً، لن يستطيع وقف سيل التفاهة ما لم يتحول الوعي الجمعي إلى قوة اجتماعية مضادة تقاوم الرداءة وترفع قيمة الجودة.
إن هذا النقاش ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وطنية مرتبطة بمصير المجتمع المغربي ومستقبله. فلا يمكن لوطن يتطلع إلى التنمية والعدالة والازدهار أن يسمح بأن تكون صورته في الفضاء الرقمي مرهونـة بمحتوى يقوض قيمه ويرسخ الانحلال ويُسهم في تطبيع الانحطاط. وإن إخراج قانون لمنع نشر التفاهة هو خطوة نحو حماية الأمن القيمي، والتصدي للانزلاق الأخلاقي، وإعادة بناء الثقة في الفضاء العام، وتعزيز حضور النخب المثقفة داخل الساحة الرقمية.
إن ما نحتاجه اليوم هو لحظة وعي جماعي، تُدرك أن مستقبل الأجيال رهين بما يُبثّ أمام أعينهم كل يوم، وأن التشريع ليس خصماً للحرية، بل حامياً لها من العبث. وإذ ندعو إلى هذا القانون، فإننا ندعو في الوقت نفسه إلى مسؤولية مشتركة، يتقاسمها المشرّع والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، وصانعو المحتوى والمجتمع ككل. فالفضاء الرقمي ليس فراغاً، بل هو امتداد لوجدان الأمة وهويتها، ولا يحق لأي نزعة سطحية أن تعبث به.