مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مفهوم الشخص أو المواطن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالذاتالواعية بفكرها، القادرة على تحمّل مسؤولياتها الأخلاقيةوالقانونية والمعرفية داخل حدود وطنها. وتحقيق هذا الوعيوالانتماء لا يتحقق تلقائياً، بل هو ثمرة منظومة مؤسساتيةتتولى الدولة رعايتها مباشرة، سواء نشأت هذه الدولةبإرادة شعبية أو تأسست بفعل ظروف تاريخية عززتمشروعيتها السياسية.
ومهما كانت ظروف النشأة، فإن بقاء الوطن وسيادتهمرهونان بقدرة أفراده على بناء هوية جماعية أصيلة،وتطويرها بما يمنحها قابلية التغيير والتجدد والمنافسة فيإنتاج القيم. وعندما تمتلك الدولة مؤسساتها وسلطتها،يصبح لزاماً عليها أن تتحول إلى وعاء ترابي ومؤسساتييحتضن الجميع ويؤهلهم باستمرار. هذا النموذجالتنظيمي وقفتُ على تجسيده بوضوح في التجربةالفرنسية منذ عقود.
لا يمكن بناء أمة قوية دون أسرة متماسكة ومدرسة فاعلة. فالأسرة هي “المؤسسة الأولى في المجتمع”، ودورها فيالتنشئة لا يقل أهمية عن دور الدولة، بل هو شريك حاسمفي صياغة المستقبل، حتى في الدول غير الديمقراطية. وإذا كانت جهود الدولة المغربية في مجال البنية التحتيةوالمشاريع الإنتاجية تستحق التقدير، فإن الخلل الواضحيظل في الفضاء العام، حيث يغيب التناغم بين كفاءةالدولة وكفاءة الأسرة والمدرسة.
فالطمأنينة في الشارع العام، وحسن الجوار في الأحياءالحضرية والقروية، يعتمدان بشكل أساسي على جودةأداء هاتين المؤسستين. لكن الفوضى والعنف المنتشرينبين الأطفال، وضعف أو انعدام رعايتهم، يضعفان الانتماءالترابي، ويهددان النسيج الاجتماعي. نرى أطفالاً يطاردبعضهم بعضاً بعنف، أو يتعرضون للإهانة والاعتداء،ويعبثون بممتلكات الغير، فيما تنتشر الحيوانات الضالةبلا رقيب.
هذه الأوضاع تكشف غياب الإرادة الحقيقية لتعزيزالمصلحة المشتركة، وفي ظل تراجع الأدوار التربويةللأسرة والمدرسة، تضيع قيم التضامن، وتتفشى الفردانيةوالنزاعات. النخب تنعزل في أحياء محروسة، والطبقةالوسطى تطمح للحاق بها، بينما تُترك الأحياء الشعبيةللفوضى. أما المثقفون الذين يرفضون الانعزال، فيجدونأنفسهم مضطرين لإغلاق أبوابهم اتقاءً للأضرار.
إن العناية بالأسرة والمدرسة والشارع العام مسؤوليةسيادية للدولة. وقد برهنت تجربة تدبير جائحة”كوفيد-19” على قدرة المغرب في فترات قصيرة علىفرض النظام وضبط الفضاء العام بفعالية، كما حدث معتعميم الالتزام بحزام السلامة المرورية. الأمثلة عديدةوتثبت أن الدولة قادرة على قيادة التغيير بحكمة إذاتوافرت الإرادة.
في هذا الإطار، يمكن للمغرب أن يستفيد من التجاربالغربية الناجحة، خصوصاً التجربة الفرنسية، التي أثبتتأن الانضباط في الشارع ليس صدفة، بل نتيجة منظومةمتكاملة من القوانين، والرقابة، والخدمات الاجتماعية،والتربية المجتمعية، تجعل من النادر رؤية طفل أو حيوانتائه في الفضاء العام.
فرنسا تعتمد الصرامة القانونية في حماية القاصرين،وتجرّم إهمالهم بعقوبات قد تصل إلى السجن وسحبالحضانة، مع شبكة متكاملة من العقوبات والآلياتالرادعة. كما تمنع القوانين التخلي عن الحيوانات أوالإساءة إليها، وتفرض تسجيلها برقاقات إلكترونيةتربطها بمالكها.
الشرطة البلدية متواجدة ميدانياً، وتتدخل فوراً عندملاحظة أي طفل أو حيوان ضال، فيما تتولى خدماتالإنقاذ الاجتماعية (*ASE*) حماية الأطفال المهددين،وتتولى الشرطة البيئية والفرق البيطرية إيواء الحيوانات. إضافةً إلى ذلك، يُسجَّل كل طفل في النظامين التعليميوالصحي، مما يسهل التعرف عليه، وتُلزم الحيواناتالأليفة بوسائل تعريف دائمة.
منذ السنوات الأولى، يتعلم الأطفال في المدرسة والأسرةمخاطر التجوال وحدهم، وطرق طلب المساعدة. المجتمعنفسه متيقظ: أي مواطن يلاحظ حالة طارئة يبادربالاتصال بالسلطات عبر أرقام مخصصة لذلك. لكل بلديةاتفاقات مع مراكز إيواء وجمعيات متخصصة، سواءللأطفال أو للحيوانات.
لقد ترسخ في الوعي الفرنسي، بفضل حضور الدولةالقوي، أن ترك طفل أو حيوان بلا رعاية ليس فقط مخالفةللقانون، بل وصمة عار اجتماعية. وتدعمه حملات إعلاميةوتوعوية وغرامات رادعة.
وخلاصة القول: المغرب يمتلك طاقات ونخباً قادرة علىقيادة المجتمع المدني نحو انطلاقة جديدة. ويبقى علىالدولة أن تحسم خيارها في ضبط المجتمع بما يخدمالوطن والمواطن، كما فعلت في محطات سابقة، لأنالمستقبل يُصنع اليوم، في الشارع قبل المؤسسات.
