مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في السياسة، ليست كل أغلبية برلمانية أغلبية سياسية. قد تكفي الأرقام لتمرير القوانين، وقد تمنح الدستور للحزب المتصدر موقعا متقدما في مسار تشكيل الحكومة، لكن الأرقام وحدها لا تجيب عن السؤال الأكثر إلحاحا: ماذا أراد الناخب أن يقول وهو يعيد ترتيب الخريطة السياسية، وفي الوقت نفسه يترك جزءا كبيرا من المجتمع خارج صناديق الاقتراع؟
هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الحسابات السريعة لما بعد انتخابات 23 شتنبر.
النتائج أكدت تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65، فيما عاد العدالة والتنمية بقوة إلى الواجهة بـ54 مقعدا. وبلغت نسبة المشاركة 38.08 في المائة، وهي نسبة تجعل سؤال التمثيلية السياسية أوسع من مجرد ترتيب الأحزاب داخل مجلس النواب. لذلك، فإن معادلة 227 مقعدا التي يمكن تركيبها من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والتقدم والاشتراكية ليست مجرد عملية حسابية.
97 + 65 + 29 + 17 + 19 = 227.
الأغلبية موجودة على الورق. لكن السياسة تبدأ تحديدا بعد انتهاء الحساب.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة تستطيع أن تعيش خمس سنوات داخل البرلمان، وإنما إلى حكومة تستطيع أن تقنع المواطنين بأن شيئا ما قد تغير. وهذه مسألة مختلفة تماما عن جمع المقاعد وتوزيع الحقائب.
هنا تصبح مغادرة التجمع الوطني للأحرار للتركيبة الحكومية المحتملة، إن حدثت، أكثر من مجرد تغيير في أسماء الشركاء. فالحزب الذي قاد الحكومة السابقة تراجع من 102 مقعدا في 2021 إلى 66 في انتخابات 2026. وهذه ليست رقما صغيرا يمكن المرور عليه باعتباره مجرد تفصيل انتخابي.
لكن في المقابل، لا ينبغي تحويل هذا التراجع تلقائيا إلى حكم شامل على تجربة حكومية بأكملها. الانتخابات لا تنتج دائما حكما أحاديا على الحصيلة؛ فهي تجمع بين تقييم الأداء، وتبدل المزاج الانتخابي، والمرشحين، والحملات، والسياق الاجتماعي والسياسي العام.
وهنا تحديدا تكمن أهمية العودة القوية للعدالة والتنمية. من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا في 2026 ليست مجرد زيادة عددية. إنها عودة حزب إلى موقع يسمح له بأن يكون رقما أساسيا في المعارضة، بعد أن بدا قبل سنوات قليلة أن وزنه البرلماني قد انكمش إلى حد يصعب معه الحديث عن استعادة موقع سياسي وازن. وبذلك تصبح الصورة أكثر تعقيدا من مجرد “فائز وخاسر”.
هناك حزب تصدر الانتخابات للمرة الأولى، وحزب تراجع بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة، وحزب استعاد جزءا مهما من حضوره، وأحزاب أخرى حافظت على مواقعها أو حسنتها. وفوق كل ذلك هناك ناخبون كثر اختاروا عدم المشاركة. وهذا الأخير ربما هو الرقم الذي يحتاج إلى قراءة أعمق من كل الأرقام الأخرى.
حين يشارك نحو أربعة من كل عشرة ناخبين فقط، لا يمكن اختزال الرسالة الانتخابية في المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب. هناك أيضا صمت انتخابي ينبغي أن يدخل إلى الحساب السياسي، لا باعتباره موقفا واحدا موحدا، وإنما باعتباره ظاهرة تحتاج إلى تفسير.
لماذا لم يذهب جزء كبير من المغاربة إلى صناديق الاقتراع؟ هل يتعلق الأمر بالثقة في الأحزاب؟ أم بالشعور بأن تغيير الأغلبية لا يغير بالضرورة قواعد اللعبة الاجتماعية؟ أم بضعف الإحساس بأن البرلمان قادر على تحويل انتظارات المواطن إلى سياسات ملموسة؟
لا توجد إجابة واحدة تسمح باختزال هذه الظاهرة، لكن تجاهلها سيكون أسهل طريق إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها. ومن هنا تصبح تركيبة الحكومة المقبلة اختبارا سياسيا حقيقيا.
فإذا كان بالإمكان تشكيل أغلبية من 227 مقعدا خارج التجمع الوطني للأحرار، فإن السؤال ليس فقط: هل تستطيع هذه الأغلبية أن تحكم؟
السؤال هو: ماذا ستفعل بهذا التفويض؟ هل ستكون أمامنا حكومة جديدة فعلا، أم مجرد إعادة ترتيب للوجوه والأحزاب داخل النموذج نفسه؟ الفرق بين الأمرين كبير.
الأغلبية الواسعة قد تمنح الحكومة هامشا مريحا داخل البرلمان، لكنها لا تمنحها تلقائيا شرعية اجتماعية أوسع. الشرعية السياسية لا تقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما أيضا بقدرة السلطة التنفيذية على ترجمة الوعود إلى نتائج يلمسها المواطن في التشغيل، والدخل، والصحة، والتعليم، والسكن، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية. وهنا تحديدا ستظهر قيمة الاختيار المقبل.
فإدخال التقدم والاشتراكية، مثلا، إلى تركيبة حكومية جديدة لا ينبغي أن يكون مجرد تمرين في استكمال العدد. وإذا دخل الحزب فعلا، فإن السؤال المنطقي سيكون عن القيمة السياسية المضافة التي سيحملها، لا عن عدد الحقائب التي سيحصل عليها. والأمر نفسه ينطبق على الاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري.
الأحزاب ليست قطعا في رقعة شطرنج حكومية. لكل حزب تاريخه، ومرجعيته، وخطابه، وتجربته، وجمهوره. ولذلك فإن تشكيل ائتلاف من خمسة أحزاب لا يصبح ذا معنى إلا إذا كان وراءه تصور سياسي واضح، وليس مجرد هندسة حسابية للأغلبية. وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
انتخابات 2026 لم تنتج فقط أغلبية جديدة؛ لقد أعادت طرح سؤال وظيفة الحكومة نفسها.
المواطن الذي يصوت لا يطلب بالضرورة حكومة أقلية أو أكثرية أو ائتلافا من ثلاثة أحزاب أو خمسة. هو يريد، في النهاية، أن يرى أثر السياسة في حياته اليومية.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للأغلبية المقبلة لن يبدأ لحظة الإعلان عن تشكيلها، بل في اليوم الذي ستضطر فيه إلى مواجهة أول سؤال اجتماعي صعب، وأول وعد انتخابي كبير، وأول مشروع إصلاحي مكلف سياسيا.
هناك أيضا ورش وطنية كبرى لا تنتظر كثيرا: الحماية الاجتماعية، الماء، المدرسة، التشغيل، الاستثمار، والتحضير لاستحقاقات 2030. هذه الملفات تحتاج إلى جهاز تنفيذي منسجم، قادر على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع، لا إلى أغلبية تتقن فقط إدارة التوازنات داخل البرلمان.
ومن هذه الزاوية، فإن اختيار رئيس الحكومة سيكون مهما، لكن الأهم منه هو ما سيأتي بعد الاختيار. من سيقود الحكومة؟ سؤال دستوري وسياسي.
لكن أي حكومة سيقود؟ وبأي برنامج؟ وبأي فريق؟ وبأي قدرة على تحويل الأوراش الكبرى من خطاب رسمي إلى نتائج ملموسة؟ هنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لأن 227 مقعدا تستطيع أن تصنع أغلبية.
لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الثقة. والانتخابات، في نهاية المطاف، لا تعطي الحكومات خمس سنوات مجانية؛ إنها تمنحها فرصة مؤجلة الحساب.
وقد يكون درس 2026 تحديدا هو أن المواطن لم يعد يكتفي بأن يعرف من يملك الأغلبية، بل يريد أن يعرف ماذا ستفعل هذه الأغلبية بها.
وهذا هو الفارق بين حكومة تتشكل بالأرقام، وحكومة تفهم الرسالة السياسية الكامنة وراء تلك الأرقام.
