مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
خرج “سلام“ قبل أن يتشقق الليل عن خيط الضوء الأول.
الطريق إلى السوق كان رطبًا من ندى الفجر، والهواء باردًا بمايكفي ليوقظ في الصدر إحساسًا غامضًا باليقظة.
في الليلة السابقة، كان جالسًا مع “عبد العليم“ في المقهىالصغير عند رأس الحي. دار الحديث طويلًا عن الأسواق. قالعبد العليم وهو يحرّك كأس الشاي ببطء:
ضحك يومها، لكن العبارة ظلت عالقة في ذهنه.
عند بوابة السوق كان الفجر يتسلل مثل لصٍ خفيف.
الخيام ترتفع ببطء، الحبال تُشدّ، بهائم تُساق، ووجوه الناستتجمع من الطرقات البعيدة.
اختار “سلام“ صخرة عند جذع شجرة عتيقة. جذعها مجوفقليلًا، وأغصانها اليابسة تمتد في الهواء كأصابع تتذكر شيئًاضاع منذ زمن.
جلس يراقب السوق وهو يولد.
صوت بائع يساوم.
صهيل حمار.
ضحكة طفل.
رائحة قهوة تغلي في إبريق أسود.
كل شيء بدا عاديًا… حتى انشق الهواء فجأة:
ثم تكررت الصرخة، أعلى:
انتفضت الجموع.
رأى سلام شابًا يركض كأنه يهرب من ظله، وخلفه رجل بدين يلوّحبذراعيه:
اندفع أربعة شبان خلفه. كانوا يركضون بخفة الصيادين،يصرخون ويضحكون في الوقت نفسه.
اختفوا جميعًا بين الخيام.
اقترب سلام من خيمة تاجر عجوز يبيع أقمشة بيضاء.
قال:
رفع الشيخ رأسه ببطء، كأن السؤال قديم.
قال:
صمت لحظة، ثم أضاف:
أعاد ترتيب قطعة قماش، ثم قال:
عاد سلام إلى صخرته.
جلس.
راقب السوق.
راقب الوجوه.
كان الضوء ينتشر ببطء، كأنه يفضح شيئًا.
بعد نصف ساعة ظهر الشبان الأربعة من بعيد. كانوا يمشونمتجاورين. على وجوههم ابتسامة صغيرة… ابتسامة لا تشبهالتعب بعد المطاردة.
وقف سلام وسأل:
مر ثلاثة منهم دون أن يلتفتوا.
أما الرابع فتوقف. نظر إلى سلام طويلاً، وكأنه يعرفه، ثم اقترب.
مال نحو أذنه وهمس:
– أمسكناه يا عم.
توقف لحظة.
ثم قال:
– لكنه أعطانا نصيبنا.
ابتعد الشاب.
وبقي سلام واقفًا.
بعد دقائق عاد الصراخ.
التفت سلام.
كان فلاح آخر يركض، يصرخ ويضرب كفيه ببعضهما.
أمامه … ثلاثة شبان يركضون.
الوجوه ... الصيحات ... المطاردة...
حدّق سلام طويلًا.
شيء بارد مرّ في صدره.
فهم فجأة أن السوق لم يكن يطارد لصًا.
بل كان يطارد “حكاية“.
نظر حوله.
الناس يركضون.
الضحكات تتصاعد.
الصرخات تتكرر.
والشجرة العتيقة وحدها كانت واقفة… كأنها شهدت هذا المشهدآلاف المرات.
مدّ سلام يده إلى جيبه ليتأكد من محفظته.
لم يجدها.
رفع رأسه ببطء.
عندها فقط فهم.
أطبق سلام على جذع الشجرة.
وتمتم بصوت خافت:
