Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

من رصيد لقجع التنفيذي إلى كفاءة الميداوي المؤسساتية .. من يحمل مفاتيح المرحلة؟

ليست كل انتخابات مجرد عملية حسابية تنتهي بإعلان عدد المقاعد، وليست كل أغلبية برلمانية مجرد رقم يضاف إلى رقم آخر لتشكيل حكومة. أحيانا تكون الانتخابات نفسها بداية لسؤال أكبر: من يملك القدرة السياسية والمؤسساتية على حمل المرحلة؟

وهذا بالضبط ما يجعل نتائج انتخابات 2026 مختلفة في دلالاتها السياسية. فحزب الأصالة والمعاصرة لم يكتف بالانتقال من موقع المشاركة في الحكومة إلى موقع تصدر الانتخابات، بل خرج من صناديق الاقتراع بـ97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ31 مقعدا، وعلى حزب الاستقلال بـ32 مقعدا. وهي نتيجة تجعل الحزب، دستوريا وسياسيا، في قلب النقاش حول تشكيل الحكومة المقبلة. لكن خلف الرقم 97 يوجد سؤال آخر لا يقل أهمية عن الرقم نفسه: من يحمل مفاتيح المرحلة؟

هنا تحديدا يبرز اسمان داخل المشهد الجديد لحزب الأصالة والمعاصرة: فوزي لقجع وعز الدين الميداوي.

لا يتعلق الأمر بترشيح رسمي معلن من الحزب، ولا بسباق انتخابي بين الرجلين، وإنما بقراءة في مسارين مختلفين يلتقيان اليوم داخل حزب تصدر الانتخابات، وفي لحظة سياسية تحتاج إلى أكثر من مجرد احتساب المقاعد.

لقجع جاء إلى “البام” محملا برصيد تنفيذي لافت. فهو وزير مكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وانضم في يوليوز الماضي رسميا إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة. ومن داخل الحزب، لم يكن حضوره انتخابيا فقط، بل تحول إلى أحد الوجوه التي قدمت البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحزب ودافعت عن قدرته على تمويل التزاماته.

وفي سبتمبر، وضع لقجع أمام النقاش العمومي تصورا ماليا لبرنامج “البام”، مقدرا كلفته بحوالي 390 مليار درهم على مدى خمس سنوات، مع نحو 314 مليار درهم من الميزانية العامة، مقدما بذلك نفسه داخل الحزب باعتباره أحد الوجوه التي تشتغل على سؤال الانتقال من الوعود إلى الموارد وآليات التنفيذ. وهذه نقطة أساسية في فهم رصيده السياسي.

فلقجع لا يأتي إلى السياسة من فراغ. إنه يأتي من تجربة طويلة في الإدارة والمالية العمومية، ومن مؤسسة رياضية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مشروع وطني ذي أبعاد اقتصادية ودبلوماسية وتنظيمية واسعة. لذلك، فإن اسمه حين يطرح في سياق القيادة الحكومية يرتبط أساسا بسؤال التنفيذ والتمويل والقدرة على تحويل المشاريع إلى واقع. لكن السياسة لا تختصر في الأرقام والميزانيات. وهنا يظهر عز الدين الميداوي.

الميداوي يمثل نوعا آخر من الرصيد. رصيد يبدأ من الجامعة والبحث العلمي، ومر عبر تدبير المؤسسات الأكاديمية، قبل أن يصل إلى الحكومة. وقد تولى رئاسة جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، ثم أصبح وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، قبل أن يخوض انتخابات 23 شتنبر 2026 وكيلا للائحة حزب الأصالة والمعاصرة في الرحامنة.

والأهم أن الميداوي لم يدخل الانتخابات من باب رمزي. لقد دخلها في واحدة من أكثر الدوائر ارتباطا بتاريخ “البام”، وقاد لائحة الحزب في الرحامنة، وتمكن من حسم المقعد النيابي لفائدة الحزب، متقدما على باقي المنافسين. وهنا تكتمل صورة مختلفة للميداوي.

فالرجل لم يعد فقط وزيرا تكنوقراطيا أو أكاديميا انتقل إلى الحكومة. أصبح اليوم قياديا حزبيا منتخبا ونائبا برلمانيا عن الحزب المتصدر للانتخابات. وقد كان عضوا في المكتب السياسي للحزب قبل الاستحقاق الانتخابي، وخاض حملة سياسية ميدانية في الرحامنة، متحدثا عن الماء والطرق والصحة والتعليم والتشغيل والنقل المدرسي وغيرها من انتظارات السكان. بل إن خطابه الانتخابي نفسه حمل إشارة تستحق التوقف عندها. فقد تحدث الميداوي عن المسؤولية السياسية باعتبارها التزاما ومحاسبة على النتائج، وقال في أحد لقاءاته إنه يريد العودة بعد خمس سنوات إلى الساكنة نفسها للوقوف على تقييمها لما تحقق.

قد يبدو ذلك تفصيلا انتخابيا عاديا، لكنه في القراءة السياسية يحمل معنى أكبر: الميداوي يحاول نقل رصيده المؤسساتي من الجامعة والوزارة إلى فضاء التمثيل السياسي المباشر. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقا.

هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى رصيد تنفيذي من النوع الذي يمثله لقجع؟ أم إلى كفاءة مؤسساتية من النوع الذي راكمه الميداوي؟ أم أن المطلوب، في الحقيقة، هو تركيب يجمع بين الاثنين؟

لقجع يملك لغة الميزانية، الأرقام، التمويل، المشاريع الكبرى، والقدرة على الاشتغال داخل الملفات التي تتطلب موارد ضخمة وقرارات تنفيذية دقيقة.

والميداوي يملك لغة الجامعة، المعرفة، البحث العلمي، تكوين الرأسمال البشري، تدبير المؤسسات، والعمل الحكومي في قطاع يرتبط مباشرة بمستقبل الشباب وبإعادة بناء العلاقة بين الجامعة والاقتصاد والمجتمع.

الأول يضع سؤال كيف نمول؟ في قلب النقاش. والثاني يضع سؤال كيف نبني الإنسان والمؤسسة؟

وبين السؤالين توجد الحكومة كلها. لأن المغرب المقبل على مرحلة ترتبط باستحقاقات كبرى، من التشغيل والقدرة الشرائية إلى التعليم والصحة والاستثمار والحماية الاجتماعية، لن يكون أمامه ترف الفصل بين الاقتصاد والمجتمع، ولا بين التمويل والإصلاح المؤسساتي. ولذلك فإن النقاش حول الأسماء لا ينبغي أن يتحول إلى مباراة شخصية بين لقجع والميداوي، بل إلى نقاش حول نوع القيادة التي تحتاجها المرحلة. ثم إن هناك معطى سياسيا لا يمكن تجاهله: كلا الرجلين يوجد اليوم داخل الحزب الذي تصدر انتخابات 2026 بـ97 مقعدا. لقجع عضو في مكتبه السياسي، والميداوي عضو في مكتبه السياسي ونائب منتخب عن الرحامنة.  وهذا يجعل حضورهما في النقاش مختلفا عن مجرد أسماء متداولة في الكواليس.

إنهما جزء من البنية السياسية للحزب الذي تصدر الاستحقاق. ومن هنا تبدأ المسألة الدستورية والسياسية.

الفصل 47 من الدستور يجعل تعيين رئيس الحكومة مرتبطا بالحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، بناء على نتائجها. لكن هذا الإطار لا يحسم وحده كل النقاش المتعلق بالشخصية التي يمكن أن تتولى قيادة الحكومة، إذ يبقى داخل الحزب المتصدر سؤال القيادة والتوافق وتشكيل الأغلبية وتركيب الفريق الحكومي. وهنا بالذات تصبح الـ97 مقعدا بداية السؤال وليست نهايته.

فالحزب المتصدر يحتاج إلى ترجمة انتصاره الانتخابي إلى أغلبية حكومية قادرة على العمل، وإلى شخصية تستطيع أن تحمل المشروع الحكومي أمام البرلمان والرأي العام ومؤسسات الدولة.

ولذلك، فإن الحديث عن لقجع والميداوي ليس بحثا عن اسمين فقط، وإنما عن نموذجين للقيادة.

لقجع، بما راكمه في الإدارة والمالية والرياضة، يقدم صورة المسؤول الذي يشتغل بمنطق التنفيذ والتمويل والنتائج.

والميداوي، بما راكمه في الجامعة والبحث العلمي والتدبير الأكاديمي والحكومي، يقدم صورة المسؤول الذي ينطلق من المؤسسة والمعرفة والرأسمال البشري قبل أن يدخل إلى فضاء السياسة الانتخابية.

واللافت أن التحول الانتخابي الأخير أعاد ترتيب موقع الرجلين معا داخل المشهد.

لقجع دخل السياسة الوطنية من بوابة واسعة ومباشرة، والتحق بـ”البام” عضوا في المكتب السياسي قبل الانتخابات، بينما اختار الحزب أن يدفع بالميداوي إلى الرحامنة، حيث خاض اختبارا انتخابيا حقيقيا وانتهى بفوزه بالمقعد.

ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح نفسه الآن ليس: من هو الأقرب؟ بل: أي نوع من الرصيد سيكون أكثر حضورا في صناعة القرار الحكومي المقبل؟ رصيد التنفيذ؟ أم كفاءة المؤسسة؟ أم أن المرحلة ستحتاج إلى شخصية قادرة على الجمع بين الاثنين؟

هنا تصبح السياسة أكثر جدية من مجرد تداول أسماء.

فالحكومة المقبلة لن تقاس فقط بمن يقودها، وإنما بما ستفعله بهذه الـ97 مقعدا. هل ستتحول الصدارة الانتخابية إلى مشروع حكومي واضح؟ هل ستنجح الأغلبية في بناء انسجام سياسي يتجاوز الحسابات العددية؟ وهل تستطيع أن تنقل البرنامج الانتخابي من الورق إلى السياسات العمومية؟

وفي هذه اللحظة تحديدا، يصبح الميداوي اسما لا يمكن اختزاله في صفة “وزير التعليم العالي”، مثلما لا يمكن اختزال لقجع في صفة “وزير الميزانية”. كلاهما دخل مرحلة جديدة.

لقجع دخل السياسة من بوابة الخبرة التنفيذية. والميداوي دخلها من بوابة الكفاءة المؤسساتية، ثم أضاف إليها الاختبار الانتخابي المباشر.

وبين هذا وذاك، يظل السؤال مفتوحا أمام حزب تصدر الانتخابات وأمام المرحلة السياسية المقبلة:

هل تكون مفاتيح المرحلة في يد من يعرف كيف ينفذ؟ أم في يد من يعرف كيف يبني المؤسسة؟ أم أن المغرب يحتاج، هذه المرة، إلى من يستطيع أن يفعل الأمرين معا؟ ذلك هو السؤال الحقيقي.

أما الأسماء، فقد بدأت تفرض نفسها على الطاولة.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...